المدونات والمقالات

المرأة والفتاة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في العالم العربي

مدونة بقلم باولا نوغيرا
متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي

في عام 2013، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يشجّع على تحقيق التنمية المتكافئة للنساء والفتيات في مجالات التكنولوجيا والعلوم والابتكار. وفي هذا العام، سيركّز اليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، الذي يُحتفل به في 11 شباط/فبراير، على دور الذكاء الاصطناعي في العلوم وعلى الإسهام المحوري للنساء، بالإضافة إلى تسليط الضوء على المخاطر والتهديدات المترتبة على إقصائهن عن هذا المجال. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن النساء ما زلن ممثلات تمثيلًا ناقصًا في العديد من القطاعات، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى بعض الأعراف الاجتماعية السلبية وأوجه عدم المساواة البنيوية التي حدّت تاريخيًا من وصولهن إلى التعليم والموارد والفرص المهنية.

وعلى الرغم من تزايد أعداد النساء اللواتي يتجهن إلى دراسة تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المنطقة العربية، فإن هذا النمو لا ينعكس بعد على سوق العمل. ويعزو الباحثون هذا التفاوت إلى عدة عوامل، من بينها التوقعات المجتمعية التي تملي على النساء إعطاء الأولوية لمسؤوليات الأسرة. وغالبًا ما تجد النساء أنفسهن في أدوار تتماشى مع القوالب النمطية التقليدية للجندر. وبعد الزواج، يُقدَّر أنهن يقضين نحو 17 ساعة أسبوعيًا في الأعمال المنزلية، وهو ما قد يعيق بشكل كبير وصولهن إلى وظائف في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. كما تميل العديد من النساء إلى العمل في المجال الأكاديمي لما يوفره من مرونة مقارنة بالقطاع الخاص. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تتم ترقية الرجال إلى المناصب العليا بسرعة أكبر وبرواتب أعلى، ويعود ذلك جزئيًا أيضًا إلى أنهم عادةً ما يأخذون إجازات أبوة أقصر. إضافة إلى ذلك، يخلق التمييز الاجتماعي واسع الانتشار عوائق كبيرة أمام دخول النساء إلى سوق العمل في هذه المجالات، التي لطالما نُظر إليها باعتبارها مجالًا ذكوريًا. ويتجلّى هذا التحيّز في معدلات نشر الأبحاث، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الرجال ينشرون ما بين 11% و51% أكثر من النساء.

ومع ذلك، أصبحت النساء يحققن حضورًا متزايدًا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بما في ذلك تلك التي كانت تُعدّ سابقًا حكرًا على الرجال. وقد شهدت فرص التعليم العالي للنساء نموًا ملحوظًا، مع ارتفاع تمثيلهن في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الجامعات عبر المنطقة. ويُشار إلى العالم العربي باعتباره من المناطق التي تضم أحد أعلى نسب النساء في مسارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عالميًا، كما أفادت تقارير بأن ما يصل إلى 57% من خريجي هذه التخصصات في الدول العربية هنّ من النساء. وقد يكون لتوفر الموارد الطبيعية الغنية في المنطقة، مثل المعادن والموارد الهيدروكربونية، دور في تعزيز الاهتمام بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، نظرًا لارتباط هذه القطاعات بتخصصات علمية وهندسية واسعة. ويمكن أيضًا تفسير هذا التحول بجهود متواصلة تبذلها المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني لتوسيع مشاركة النساء في مختلف القطاعات، إضافة إلى إصرار النساء أنفسهن على تحدي الأدوار التقليدية ومتابعة اهتماماتهن الشخصية في مساراتهن الأكاديمية والمهنية.

وتُجسّد شخصيات بارزة مثل زها حديد، من العراق، التي تُعدّ من أبرز المعماريين عالميًا، وريم حمدان من الأردن التي تشغل منصبًا قياديًا في قطاع توزيع الكهرباء، نماذج النجاح الذي يمكن للنساء تحقيقه في هذه المجالات.

ومع ذلك، لا يزال ضعف تمثيل النساء في سوق العمل ضمن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مصدر قلق ملح، لا سيما مع تصاعد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي قد تؤدي إلى إحلال الوظائف، وهو ما قد يؤثر على النساء بشكل غير متكافئ. ويحذّر تقرير صادر عن منتدى الاستراتيجيات الأردني من أنه في حين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق فرصًا جديدة، فإنه يحمل أيضًا مخاطر على رأس المال البشري، خصوصًا بالنسبة للنساء العاملات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مما قد يزيد من هشاشتهن في سوق العمل المتغير.

كما تقوم منظمات المجتمع المدني على تنفيذ مشاريع تهدف إلى دعم تنمية المرأة وتعزيز أدوارها القيادية، ومن أبرزها منظمة النهضة العربية (أرض) ومن بين مبادراتها  مشروع “نداء التغيير، الذي أُطلق عام 2025، ويهدف إلى تمكين الفتيات والشبكات القاعدية من المناصرة من أجل تعليم شامل وتحويلي. وقد أطلقت المبادرة بالفعل أربع (4) مبادرات لتعزيز التعليم الشامل في عمّان والمفرق، إلى جانب أنشطة أخرى. كما يسعى مشروع الاستثمار في المستقبل 2 إلى استكشاف كيفية دعم الذكاء الاصطناعي للتعليم في الأردن ليصبح أكثر شمولًا وجودةً، مع التركيز على العدالة، وإمكانية الوصول، والاستخدام الأخلاقي. كما يعمل على تقييم أثر الذكاء الاصطناعي وتحديد مخاطره وصياغة استراتيجيات ملائمة لدمجه في المدارس.

ومع المضي قدماً، من الضروري الاستمرار في معالجة هذه القضايا من خلال مكافحة التمييز الاجتماعي، وتحدّي التوقعات المجتمعية السلبية المحيطة بأدوار المرأة ضمن السياقات الأسرية والأكاديمية والمهنية.

وبينما نحتفل باليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لا بد من الاعتراف بالخطوات المهمة التي تحققت، وفي الوقت نفسه الإقرار بأن هناك الكثير مما لا يزال يتطلب العمل. فمن خلال تعزيز بيئة شاملة للنساء في هذه المجالات، لا نمكّن النساء على المستوى الفردي فحسب، بل نُثري أيضًا مجالات العلوم والتكنولوجيا بتنوع الخبرات والرؤى والأفكار، مما يقود إلى حلول مبتكرة وتقدّم علمي يعود بالنفع على المجتمع بأسره، ويسهم في بناء مستقبل أكثر عدالة وإنصافًا للجميع.