المدونات والمقالات

قصة الهجانة السودانيين في عين شمس

د. أيمن زهري

خبير السكان ودراسات الهجرة، عضو في ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ)

حين نتأمل خريطة الأحياء الشعبية في القاهرة، يميل التفسير السائد إلى ردّ نشأتها إلى الفقر أو الهجرة الريفية الحضرية أو الضغط الديموغرافي، غير أن بعض الأحياء لا يمكن فهمها بهذا الاختزال؛ فهي لم تولد من الهامش الاجتماعي وحده، بل من هامش آخر أقل وضوحًا: الهامش الوظيفي للدولة نفسها. من بين هذه الحالات اللافتة قصة الهجانة السودانيين الذين استقروا في عين شمس، في واحدة من أكثر الحكايات دلالة على العلاقة المركبة بين المؤسسة العسكرية والهجرة والاستقرار الحضري.

الهجانة كانوا وحدات عسكرية شبه نظامية اعتمدت على ركوب الجمال، وأُنيطت بها مهام تأمين الحدود وحراسة الطرق الصحراوية وحفظ الأمن في المناطق النائية. شكّل الجنود السودانيون العمود الفقري لهذه القوات، استنادًا إلى خبراتهم البيئية وقدرتهم على التكيف مع الصحراء، وإلى تاريخ طويل من انخراط السودانيين في الجيش المصري. خلال العقود الأولى من القرن العشرين، كانت هذه الوحدات جزءًا أساسيًا من أدوات الدولة في بسط نفوذها خارج المدن، في زمن لم تكن فيه البيروقراطية المدنية قد اكتملت بعد.

في مطلع القرن العشرين، لم تكن عين شمس حيًا سكنيًا كثيفًا كما نعرفه اليوم، بل منطقة طرفية شبه صحراوية على هامش القاهرة. هذا الموقع جعلها ملائمة لإقامة المعسكرات العسكرية، بعيدًا عن الكتل السكنية، وقريبة في الوقت نفسه من مسارات التحرك الصحراوي، هناك أقامت الدولة معسكرات للهجانة بوصفها تمركزًا وظيفيًا مؤقتًا، لا مشروعًا عمرانيًا دائمًا. غير أن المدينة، بطبيعتها، لا تلتزم دائمًا بما هو مؤقت.

تبدأ المفارقة مع نهاية الخدمة العسكرية، فبين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تقلصت أهمية وحدات الهجانة مع تغيّر أنماط الضبط الحدودي وتطوّر وسائل النقل، وانتهت مهام بعض المعسكرات، دون أن تصاحب ذلك سياسات واضحة لإعادة الجنود إلى موطنهم الأصلي. وجد كثير من الجنود السودانيين أنفسهم في وضع ملتبس: لا هم جنود عاملون، ولا هم عائدون، ولا توجد آلية رسمية لإدماجهم أو إعادة توطينهم. في هذه اللحظة بدأ التحول الصامت؛ المعسكر يتحول إلى مسكن، والإقامة المؤقتة تصبح دائمة، والجندي يتحول إلى عامل مدني، دون إعلان أو قرار إداري.

خلال العقود التالية من القرن العشرين، تزوج بعض الهجانة من مصريات أو من سودانيات مقيمات في القاهرة، وظهرت شبكات قرابة وعمل، واتسعت المساحات السكنية حول المعسكرات السابقة. شيئًا فشيئًا تشكل تجمع سكني غير رسمي، عُرف شعبيًا باسم «الهجانة». لم ينشأ هذا الحي وفق مخطط عمراني، ولم يُعترف به إداريًا في بداياته، لكنه ترسخ على الأرض بفعل التراكم البشري، واستمر بفعل الضرورة.

احتفظ الحي، خاصة في مراحله الأولى، ببعض الملامح الثقافية السودانية؛ في الملامح الجسدية، وفي بعض العادات الاجتماعية، وفي الموسيقى والاحتفالات، وفي لهجة هجينة تجمع بين السودانية والمصرية، غير أن هذه الخصوصية لم تتحول إلى اعتراف مؤسسي، بل بقيت حاضرة بوصفها «اختلافًا» داخل الهامش. لم يُنظر إلى سكان الحي كمجموعة لها تاريخ محدد، بل كجزء من العشوائيات، مجردين من سياقهم الاجتماعي والعسكري.

تكشف قصة الهجانة في عين شمس عن حقيقة كثيرًا ما تُغفل في النقاش العام: الدولة ليست دائمًا ضحية العشوائيات، بل قد تكون أحد صانعيها، فحين تستخدم الدولة قوة بشرية لفترة طويلة، ثم تتخلى عنها دون تصور لما بعد الخدمة، فإنها تترك فراغًا لا يسدّه إلا الاستقرار غير الرسمي. في هذه الحالة لا يكون الحي نتاج تمرد على الدولة، بل نتيجة مباشرة لإهمالها.

توضّح القصة مسارًا مختلفًا للهجرة والاستقرار، فالهجانة لم يأتوا إلى القاهرة بحثًا عن العمل، بل جاءوا عبر المؤسسة العسكرية. الجندية هنا ليست وظيفة فقط، بل قناة لإعادة التوطين، حتى وإن لم تُصمَّم على هذا النحو. هذا النمط من الهجرة يختلف عن الهجرة الريفية الحضرية التقليدية؛ فهو بدأ بوضع قانوني واضح، واستمر بإقامة طويلة، وانتهى بوضع قانوني واجتماعي ملتبس.

تبدو هذه القصة مهمة اليوم لأن كثيرًا من النقاشات حول الأحياء الشعبية تتعامل معها بوصفها مشكلة راهنة فقط، وتفصلها عن جذورها، بينما تكشف حالة الهجانة أن بعض الأحياء هي أرشيف حي لقرارات قديمة، وأن فهم الحاضر العمراني يتطلب العودة إلى التاريخ الاجتماعي للدولة نفسها، فالمكان ليس مجرد عمران، بل تراكم لسياسات ووظائف وحيوات انتهت أدوارها الرسمية وبقي أثرها الإنساني.

قصة الهجانة السودانيين في عين شمس ليست مجرد حكاية حي، بل تذكير بأن المدينة لا تُبنى فقط بالخرائط والقرارات، بل أيضًا بالجنود الذين انتهت خدمتهم ولم تنتهِ حياتهم، وبالدولة التي عرفت كيف تستخدمهم، لكنها لم تعرف كيف تعيد إدماجهم.

ربما يدفع هذا المقال القصير أحد طلاب الدراسات العليا في تخصصات علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا او التاريخ أو العلوم السياسية أو ربما التخطيط العمراني لدراسة أكثر عمقاً لهذا الموضوع الهام الذي لم يلق الاهتمام الكافي من الدراسة الأكاديمية الرصينة.