المدونات والمقالات

لا نريد مقعداً.. بل طاولةً جديدة: كيف نعيد تصميم مفهوم القيادة النسائية في العالم العربي؟

بقلم ملاك سليمان

خلال العقدين الماضيين، شهد الأردن والمنطقة العربية توسعاً ملحوظاً في برامج إعداد القيادات النسائية. فقد استثمرت الحكومات والجهات المانحة ومنظمات المجتمع المدني موارد كبيرة في التدريب وبناء القدرات وتعزيز المشاركة المدنية والسياسية للنساء.

وتقدم تجربة منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) مثالاً على هذه الجهود. فمن خلال برامج مثل “هي تقود“، و”نداء التغيير“، و”تمكين بعضنا البعض”  بمراحله المختلفة، و”جيل جديد“، إضافة إلى “أكاديمية المرأة العربية للقيادة” وغيرها من البرامج على مدار الأعوام، تم تأهيل مئات إلى عدة آلاف من النساء والفتيات في مجالات القيادة والمناصرة والعمل العام. كما رافقت هذه البرامج جهود بحثية وسياساتية هدفت إلى فهم العوائق التي تواجه النساء في الوصول إلى مواقع صنع القرار.

إلا أن الواقع يشير إلى أن نسب القيادات النسائية لا تزال دون الطموح، فهذه البرامج، وغيرها من المبادرات الوطنية والدولية، تكشف حقيقة مهمة: أن المشكلة لم تعد في نقص التدريب أو غياب الكفاءات النسائية، بل في وجود فجوة بين الاستثمار في بناء القدرات وبين قدرة البيئة المؤسسية على استيعاب هذه القدرات.

ففي الأردن، وعلى الرغم من ارتفاع مستويات التعليم بين النساء، لا تزال نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا في الشركات لا تتجاوز 3.1%، وهو مؤشر يعكس وجود اختلالات أعمق في منظومة الوصول إلى القيادة.

إن المشهد العربي اليوم يشهد تحديًا حقيقيًا يتجاوز مربع “تيسير الوصول” لمواقع السلطة، ليصل إلى مربع “إعادة تعريف القيادة”. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الهياكل القيادية السائدة في مجتمعاتنا تمتلك المرونة الكافية لاستيعاب النهج المبتكر الذي تتبناه النساء؟ وهل يقتصر دور المجتمع المدني على التدريب، أم أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة بكافة مؤسساتها لترجمة هذه الإمكانات إلى واقع عبر أطر تشريعية وسياسات وطنية حاضنة؟

ما وراء الأرقام: تشخيص العوائق المركبة

تكشف الخبرة الميدانية والدراسات الحديثة بما فيها دراسة تقييم لاحتياجات القيادة النسائية قامت بها منظمة النهضة بين عام (2023-2024) استهدفت 123 سيدة أردنية من مختلف المحافظات والخلفيات، أن المعيقات التي تقف في طريق النساء للوصول للمراكز القيادية هي معيقات مركبة بين كونها هيكلية وشخصية واجتماعية وسلوكية، وتتمثل بشكل رئيس كما يلي:

 

 

وحتى في حال تجاوزنا العقبات الهيكلية التي تحول دون وصول النساء إلى سدة صنع القرار، على الرغم من بروز نماذج ملهمة لقياديات نسائية حققن نجاحات استثنائية في شتى القطاعات والمجالات، فإننا نصطدم بواقع أكثر تعقيداً؛ وهو أنه لا تزال بعض المؤسسات تعمل وفق نماذج تقليدية للقيادة صُممت تاريخياً في بيئات يغلب عليها الطابع السلطوي. ومن جهة أخرى، تستمر بعض الصور النمطية الاجتماعية في التأثير على فرص النساء في التقدم إلى مواقع القرار.

لكن المفارقة الأكثر تعقيداً تظهر حتى عندما تنجح النساء في الوصول إلى مواقع القيادة. فكثير من القياديات يجدن أنفسهن مجردات من الخيار والحرية في تبني نموذج قيادي يتماشى مع قناعاتهن أو أهدافهنّ الحقيقية. هنا يتجلى البُعد الخفي للقيادة النسائية، والمتمثل في )تبني شعور التبعية المفروضة (Internalization of Subjugation-؛ حيث تقع المرأة تحت وطأة ضغوطات نفسية ومؤسسية تدفعها لتبني أساليب قيادية سلطوية نمطية تتسم بالصلابة، كشرط غير معلن لتأكيد شرعيتها وإثبات جدارتها في أنظمة صُممت أساساً وفق نمط أحادي.

وهنا يظهر خلل أساسي في النقاش العام حول القيادة النسائية. فبدلاً من السؤال المتكرر: لماذا لا تصل النساء إلى القيادة؟ ربما يكون السؤال الأدق هو: هل صُممت منظومات القيادة الحالية بطريقة تسمح للنساء بالقيادة فعلاً؟

التحول المفاهيمي: من السيطرة إلى التأثير الأخلاقي

التجربة العملية في برامج القيادة النسائية تشير إلى أن النساء غالباً ما يقدمن نماذج قيادية مختلفة عن النماذج التقليدية السائدة. ففي العمل المجتمعي والإنساني، تظهر النساء ميلاً أكبر نحو القيادة التشاركية القائمة على القيادة الأخلاقية، بناء الثقة، والعمل الجماعي، والمسائلة وربط القيادة بقيم العدالة والخدمة العامة. وهذا ما تجسده النساء في الميدان، من البلديات وصولاً إلى مخيمات اللجوء، حيث يحولن القيادة من “صعود فردي نحو القمة” إلى “جهد جماعي لإحداث أثر مستدام”.

هذا التحول يتقاطع مع ما تشير إليه الأدبيات الحديثة في دراسات القيادة، التي لم تعد تنظر إلى القيادة باعتبارها قدرة فردية على السيطرة، بل باعتبارها عملية تشاركية تقوم على العلاقات والتأثير الأخلاقي.

من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تدريب النساء ليصبحن أكثر تشبهاً بالنماذج القيادية التقليدية، بل في تطوير بيئات مؤسسية تسمح بظهور نماذج قيادة أكثر تنوعاً وشمولاً.

لا نريد مقعداً… بل طاولةً جديدة

اليوم، لم يعد النقاش حول القيادة النسائية يدور حول عدد النساء في مواقع القرار فقط، بل حول طبيعة النظام القيادي نفسه. فالقضية لم تعد تتعلق بمجرد إيجاد مقعد للمرأة على الطاولة، بل بضرورة إعادة تصميم الطاولة ذاتها بحيث تصبح أكثر شمولاً وعدالة وقدرة على الاستفادة من الطاقات المتنوعة في المجتمع.

وحتى تصبح هذه الطاولة الجديدة ممكنة، لا بد أن تقوم على أربعة أركان مترابطة تشكل البيئة الحقيقية للقيادة النسائية.

أول هذه الأركان هو الاستثمار المستمر في الكفاءات القيادية النسائية. فالنساء المؤهلات موجودات بالفعل في الجامعات، وفي المؤسسات العامة والخاصة، وفي العمل المجتمعي. غير أن تحويل هذه الكفاءات إلى قيادات مؤثرة يتطلب برامج تأهيل مستدامة، وفرصاً حقيقية للتجربة القيادية، ومسارات واضحة للتقدم المهني والسياسي.

أما الركن الثاني فيتمثل في بناء حاضنة مجتمعية وأسرية داعمة. فالقيادة النسائية لا تزدهر في بيئة اجتماعية مترددة أو متحفظة، بل في مجتمع يرى في مشاركة المرأة في القيادة قيمة مضافة للتنمية والاستقرار. ويعد تغيير الصور النمطية حول أدوار المرأة خطوة أساسية في هذا الاتجاه.

ويتمثل الركن الثالث في تطوير منظومة تشريعية ومؤسسية ممكنة، تضمن تكافؤ الفرص وتعزز بيئات العمل العادلة والشاملة. فالقوانين والسياسات التي تدعم التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، وتشجع مشاركة النساء في مواقع القرار، تشكل أساساً ضرورياً لانتقال التمكين من الخطاب إلى الممارسة.

أما الركن الرابع فهو تعزيز التكامل والشراكة بين جهود الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. فالدولة تضع السياسات والإطار التشريعي، بينما تسهم مؤسسات المجتمع المدني في بناء القدرات، وفتح المساحات العامة للمشاركة، وتطوير نماذج قيادية جديدة. وعندما تتكامل هذه الجهود ضمن رؤية وطنية واضحة – كما أكدت عليها التوجيهات الملكية – يصبح تمكين النساء جزءاً أصيلاً من مشروع الإصلاح والتحديث. وقد أظهرت التجربة الأردنية أن هذا التكامل قادر على تحقيق نتائج مهمة، خصوصاً عندما يترافق مع الاستثمار في التعليم، والإصلاح التشريعي، وتوسيع مساحات المشاركة العامة.

في النهاية، فإن إعادة تصميم “طاولة القيادة” لا تعني فقط زيادة عدد النساء حولها، بل تعني بناء منظومة قيادية أكثر شمولاً وعدالة وقدرة على الاستفادة من طاقات المجتمع بأكمله. فالنساء المؤهلات موجودات، والإرادة السياسية حاضرة، والخبرة المتراكمة لدى مؤسسات المجتمع المدني كبيرة. وما تحتاجه المرحلة القادمة هو استكمال بناء البيئة الممكنة للقيادة، بحيث تصبح مشاركة النساء في صنع القرار أمراً طبيعياً يعكس إمكانات المجتمع وتطلعاته نحو المستقبل.