المدونات والمقالات

اليوم العالمي لحرية الصحافة: الصحافة تحت النار

بقلم: كيارا بيريلي، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي

الطيّري، جنوب لبنان، 22 أبريل/نيسان 2026. كانت الصحفية أمل خليل والمصوّرة زينب فرج في مهمة ميدانية لتغطية التصعيد في بنت جبيل. حوالي الساعة 2:30 بعد الظهر، استهدفت غارة إسرائيلية مركبة كانت تسير إلى جانبهما، ما أدى إلى مقتل من كانا بداخلها. سارعت خليل وفرج إلى ترك سيارتهما والاحتماء بمنزل قريب، لكن بعد لحظات استهدفت غارة ثانية سيارتهما ودمرتها بالكامل. وعند حوالي الساعة 4:25 مساءً، استهدفت غارة ثالثة المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق الذي كانت الصحفيتان تختبئان فيه. تمكّن الجيش اللبناني والصليب الأحمر لاحقاً من إنقاذ زينب فرج ونقلها إلى المستشفى بسيارة إسعاف رغم استمرار إطلاق النار. وأكدت فرج أن أمل خليل نجت من الضربات الأولى، إلا أن القوات الإسرائيلية منعت فرق الإنقاذ من الوصول إلى الموقع لساعات طويلة. وعندما سُمح لها أخيراً باستئناف عمليات البحث، عُثر على أمل خليل مقتولة.

ليست قصة خليل بمعزل عما يحدث في مختلف أنحاء جنوب غرب آسيا، حيث يعمل الصحفيون في ظروف تنطوي على تحدٍ مباشر للموت، خصوصاً في مناطق النزاع التي تتشكل بفعل القمع السياسي. وأصبح جمع المعلومات الموثوقة ونقلها من غزة وسوريا ولبنان واليمن والسودان أكثر صعوبة من أي وقت مضى، كما يضع الصحفيين في أوضاع بالغة الخطورة.

 

وبالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يُصادف الثالث من مايو/أيار من كل عام، من الضروري الإقرار بأن حرية الصحافة أصبحت إحدى أبرز ضحايا النزاعات الأخيرة، مع تزايد استهداف الصحفيين، لا سيما خلال الحروب المستمرة في جنوب غرب آسيا. فبعيداً عن مجرد نقل الأخبار، يؤدي الصحفيون دوراً محورياً في توثيق المعاناة الإنسانية، وكشف انتهاكات الحقوق، وحماية السجل التاريخي من التضليل والفوضى، باعتبارهم شهوداً أساسيين على الحقيقة.

 

فحرية الصحافة تحمل أبعاداً أخلاقية وقانونية في آن واحد. ففي جوهرها، فهي تقوم على المبدأ الأخلاقي القائل بأن للمجتمعات الحق في الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة من يحرمها من هذا الحق. وقد كرّس القانون الدولي هذا المبدأ في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن «لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير»، وحقه في «التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود». كما تؤكد المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المبدأ ذاته، وتذكّر الحكومات بواجبها في حماية الصحفيين، إذ تنص على أن «على الدول الأطراف أن تبذل كل جهد ممكن لضمان الوصول السهل والسريع والفعّال والعملي إلى هذه المعلومات». ويعزَّز ذلك أيضاً من خلال المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تنص صراحةً على وجوب معاملة الصحفيين العاملين في النزاعات المسلحة كمدنيين، ما داموا لا يشاركون مباشرةً في الأعمال العدائية. وبناءً على ذلك، فإن استهداف الصحفيين عمداً، أو عرقلة عملهم، أو منع الفرق الطبية من إنقاذهم، قد يشكّل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يُصنَّف كجريمة حرب، لما يمثله من خرق للالتزام الأساسي بمعاملة المدنيين بإنسانية وتقديم الرعاية الطبية للجرحى والمرضى دون تمييز.

 

ووفقاً لأحدث تقرير الاتجاهات العالمية الصادر عن منظمة اليونسكو، انخفض مؤشر حرية التعبير العالمي بنسبة 10% منذ عام 2012. ويعكس هذا التراجع تآكلاً خطيراً في الحريات المدنية لم يشهده العالم منذ عقود، بما يوازي المستويات التي سُجّلت خلال الحربين العالميتين وفترة الحرب الباردة. وخلال الفترة التي يغطيها التقرير (2022–2025)، ارتفعت نسبة مقتل الصحفيين في مناطق النزاع بنسبة 67% مقارنة بالفترة الأربعية السابقة. ويتجلى هذا الواقع بشكل خاص في مناطق الحروب، حيث يواجه الصحفيون احتمالات أكبر للاعتقال والنزوح والقتل.

 

إضافة إلى ذلك، سجّلت لجنة حماية الصحفيين عام 2025 بوصفه العام الأكثر دموية للعاملين في المجال الإعلامي منذ بدء جمع البيانات عام 1992. كما أشارت اللجنة إلى أن معظم هذه الوفيات وقعت في اليمن وإيران، وخاصة في غزة، ما يجعل جنوب غرب آسيا واحدة من أخطر مناطق النزاع بالنسبة للصحفيين. ففي قطاع غزة وحده، قُتل أكثر من 260 صحفياً وعاملاً إعلامياً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب ميدل إيست مونيتور (MEMO) والاتحاد الدولي للصحفيين. وقد تم تأكيد ذلك باعتبارها الإبادة الأكثر فتكاً بالصحفيين في العصر الحديث.

 

ورغم أن الأرقام وحدها كافية للتعبير عن خطورة الوضع، فإن القصص التالية تذكّر بمدى إلحاح هذه الأزمة وحدّتها. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، استُهدف الصحفي المصور عصام عبد الله وقُتل على يد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بعد سنوات من التهديدات التي هدفت إلى منعه من مواصلة عمله. كما أدى الهجوم نفسه إلى إصابة ستة صحفيين آخرين من مؤسسات إعلامية مختلفة. وبعد شهرين، في 15 ديسمبر/كانون الأول، قُتل سامر أبو دقة، مصوّر قناة الجزيرة، جرّاء ضربة بطائرة إسرائيلية مسيّرة استهدفت المدرسة التي كان يغطّي منها الأحداث في غزة. وكما حدث في حالة أمل خليل، منعت القوات الإسرائيلية فرق الإنقاذ من إجلاء العالقين تحت الأنقاض لساعات طويلة.

 

وقد لوحظ هذا النمط من الاعتداءات على حرية الصحافة أيضاً في سوريا. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية السورية في مارس/آذار 2011، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اغتيال نحو 717 صحفياً وعاملاً إعلامياً، من بينهم 53 قضوا تحت التعذيب. كما تعرّض كثيرون آخرون للاختطاف أو الاعتقال أو الإخفاء القسري على يد أطراف حكومية وغير حكومية على حد سواء. وتوضح هذه البيانات سبب تصنيف كل من مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين سوريا باستمرار، وعلى مدى أكثر من عقد، كواحدة من أخطر دول العالم بالنسبة للعاملين في الإعلام. وقد بلغ الوضع من الخطورة حدّ أن نشرت هيئة الإذاعة البريطانية BBC عام 2014 مقالاً بعنوان: «سوريا أخطر مكان في العالم بالنسبة للصحفيين».

 

غير أن التهديدات التي تواجه حرية الصحافة لا تقتصر على الأذى الجسدي. ففي مختلف أنحاء جنوب غرب آسيا، تتجلى الرقابة والتهديدات أيضاً في إغلاق الصحف وحظرها، إضافة إلى المراقبة الرقمية، وفرض القيود على الإنترنت، والضغوط التنظيمية على وسائل الإعلام المستقلة. وقد أدت الحرب الأخيرة مع إيران، خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026، إلى تصعيد التوتر في منطقة الخليج، حيث أصبح التحكم بالمعلومات يُنظر إليه باعتباره مسألة أمن قومي. وتم اعتقال أكثر من مئة شخص بسبب تصوير اعتراضات الصواريخ والضربات ونشر المقاطع المصورة عبر الإنترنت، استناداً إلى قوانين الجرائم الإلكترونية. تعكس هذه الإحصاءات واقعاً قاتماً: فالصحفيون لم يعودوا مجرد مراقبين للنزاعات، بل أصبحوا أهدافاً مباشرة وضحايا لها.

ومع تصاعد القيود، يواصل العديد من الصحفيين عملهم من المنفى. فقد أنشأ كثير من المراسلين الذين كانوا يعملون في مناطق النزاع منصات إلكترونية عابرة للحدود، وشبكات إعلامية، ومؤسسات إعلامية في الشتات، بهدف تجاوز القيود المحلية. ومن بين هذه المبادرات: SIRAJ – الصحافة الاستقصائية السورية من أجل صحافة المساءلة، وARIJ – أريج للصحافة الاستقصائية، ودارج ميديا، ومدى مصر. ورغم أن خيار المنفى يوفر قدراً أكبر من الأمان للصحفيين، فإنه يأتي أيضاً على حساب الابتعاد عن مصادر المعلومات، وعدم الاستقرار المالي، وتعريض أفراد عائلاتهم الذين بقوا في أوطانهم للخطر.

 

إن قمع حرية الصحافة يطلق تأثيراً متسلسلاً يزعزع استقرار المجتمعات بأكملها. فعندما يتم تقييد الصحافة المستقلة، يُملأ الفراغ المعلوماتي سريعاً بحملات التضليل والأخبار الكاذبة والدعاية، ما يؤدي إلى تشويه النقاش العام وتقويض الثقة بالمؤسسات الحاكمة. وغالباً ما يفضي هذا الانهيار في التواصل إلى زيادة الاستقطاب المجتمعي وتصاعد الاضطرابات المدنية، نتيجة حرمان المواطنين من الحقائق القابلة للتحقق. وفي أوقات الأزمات خصوصاً، يشكل وجود صحافة مستقلة آلية أساسية للبقاء. فالصحفيون يؤدون دور «كلاب الحراسة» من خلال توثيق الانتهاكات ومنع طمس الفظائع عبر الروايات الرسمية. ومن هنا، ينبغي النظر إلى حرية الصحافة ليس فقط باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان، بل أيضاً كركيزة أساسية للحكم المستقر. فبدون الشفافية والمساءلة اللتين توفرهما وسائل الإعلام الحرة، تبدأ قدرة البنى الديمقراطية والمؤسساتية على الصمود بالتآكل تدريجياً.

 

ويشكّل اليوم العالمي لحرية الصحافة تذكيراً حاسماً بأن سلامة الصحفيين ترتبط ارتباطاً مباشراً بحق الجمهور الأساسي في الوصول إلى المعلومات. فالارتفاع الصادم في أعداد الضحايا من الصحفيين في جنوب غرب آسيا يثبت أن المقولة الشهيرة «الحقيقة أول ضحايا الحرب» ليست مجرد استعارة، بل واقعاً مأساوياً. إن هذا العنف المتصاعد يمثل في الوقت ذاته مأساة إنسانية وإنذاراً منهجياً: فعندما يتم إسكات الصحفيين، يفقد العالم شهوده الأساسيين، وتصبح المجتمعات أكثر عرضة للدعاية وتآكل العدالة.

 

وفي النهاية، فإن حماية حرية الصحافة تتطلب أكثر من مجرد الحداد على من فقدناهم؛ إنها تستوجب التزاماً دائماً بالدفاع الاستباقي والدعم العالمي. فالدفاع عن حقوق الصحفيين وضمان الوصول العادل والشامل إلى المعلومات ليس مجرد مبدأ قانوني، بل هو جهد جماعي يهدف إلى صون مبادئ الشفافية وتحقيق العدالة للجميع. إن حماية الصحافة المستقلة في زمن الحرب تمثل السبيل الوحيد للدفاع عن الحقوق الإنسانية الأساسية وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود بما يضمن سلاماً دائماً ومساءلة حقيقية.