المدونات والمقالات

من حماية تقاعدية إلى تعويض نقدي: هل يفقد الضمان الاجتماعي في الأردن جوهره؟

مقال تحليلي بقلم: أ. رامي قويدر وخالد الجمعة

يتطلب تعزيز فعالية نظام الضمان الاجتماعي معالجة الفجوات الحالية التي تحول دون حصول المشتركين على راتب تقاعدي مستدام، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على تعويض الدفعة الواحدة. ويستلزم ذلك وضع آليات واضحة لحساب الاشتراكات، تسهيل استمرارية المشتركين في سوق العمل، وتقليل العوائق التي تواجه النساء للوصول إلى التقاعد الكامل، بما يضمن تحقيق الهدف الأساسي للنظام في توفير حماية مالية مستقرة عند التقدم في العمر.

:أثر التعديلات المقترحة على حقوق المشتركين في الضمان الاجتماعي

تؤثر التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي على قدرة المشتركين في القطاع الخاص على الوصول إلى راتب تقاعدي كامل، نظرًا لطبيعة سوق العمل غير المستقرة، وكثرة الانقطاعات الوظيفية، بالإضافة إلى تحديات احتساب الاشتراكات التي تقلل من استفادة العاملين من سنوات الخدمة الفعلية، مما يجعل التقاعد الكامل هدفًا صعب المنال للعديد من المشتركين.

وبسبب هذه الصعوبات في الوصول إلى التقاعد الكامل، جاءت الصياغة الواردة في مسودة التعديلات المطروحة حاليًا مختلفة نسبيًا. إذ نصت على أنه إذا انتهت خدمة المؤمن عليه دون استكمال شروط استحقاق راتب التقاعد أو راتب الاعتلال، وتوفرت إحدى حالات الخروج من نطاق أحكام القانون وفقًا للأنظمة الصادرة بمقتضاه، فيُصرف له أو للمستحقين عنه تعويض الدفعة الواحدة.

ويكمن التحول الجوهري هنا في أن النص ربط الاستحقاق بحالات الخروج من نطاق القانون التي ستحددها الأنظمة التنفيذية لاحقًا. وهذا يعني أن التفاصيل لن تكون في نص القانون نفسه، بل في الأنظمة التي ستصدر لاحقًا بعد التعديل لتحديد هذه الحالات، ما قد يفتح المجال لإعادة تنظيم حالات صرف تعويض الدفعة الواحدة وغالباً التوسع فيها بشكل أكبر من النظام الحالي، في ظل إدراك المشرع للتحديات التي يواجهها كثير من العاملين في الوصول إلى سن التقاعد الوجوبي.

ومع صعوبة استكمال شروط التقاعد الكامل، يبرز تحدٍ إضافي يتمثل في آليات احتساب الاشتراكات في القطاع الخاص، والتي تؤثر مباشرة على فرص الحصول على راتب تقاعدي كامل. فقد تم تطبيق نظام تخفيض اشتراكات تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة للعاملين في منشات القطاع الخاص  ، على الداخلين الجدد إلى سوق العمل في القطاع الخاص حتى سن الثلاثين، بهدف تشجيع تشغيل الشباب وتقليل كلفة الاشتراكات على أصحاب العمل في ظل ارتفاع معدلات البطالة.

يطبق النظام تخفيضًا على جزء من الاشتراكات المدفوعة لأغراض التقاعد وفق المادة (3)، بنسبة 40% للمنشآت الصغيرة و20% للمنشآت المتوسطة. ونظرًا لأن 99.5٪ من شركات القطاع الخاص في الأردن تنتمي إلى المشاريع الميكروية والصغيرة والمتوسطة، فإن غالبية العاملين في القطاع معرضون لهذا التخفيض نتيجة الحجم الكبير لهذه المؤسسات في الاقتصاد الأردني. ورغم أن سنوات العمل تبقى مكتملة للمستفيدين، فإن الراتب التقاعدي يُحسب على أساس الاشتراكات المخفضة، ما يقلل من القيمة الفعلية للمعاش حتى عند استكمال جميع سنوات الخدمة، وبالتالي يكون الراتب المتوقع أقل من المستحق فعليًا.

ورغم أن النظام يتيح للعامل إمكانية تسديد فرق الاشتراكات للوصول إلى الاشتراك الكامل، إلا أنه ينقل عبء الحفاظ على الحقوق التقاعدية إلى العامل نفسه، مع إعفاء أصحاب العمل من أي مسؤولية إضافية. وفي ظل عدم استقرار العمل في القطاع الخاص وتدني الأجور، قد لا يتمكن كثير من العاملين من تسديد هذا الفرق، ما يؤدي عمليًا إلى تراجع مستوى الحماية التقاعدية المتوقعة.

بالتالي ومع صعوبة استكمال الاشتراكات اللازمة للوصول إلى التقاعد الكامل، من المتوقع أن يتجه عدد متزايد من المشتركين إلى تعويض الدفعة الواحدة بدل الحصول على راتب تقاعدي كامل ومستدام. فالقانون يسمح للمشترك الذي لم يحقق شروط التقاعد بالحصول على التعويض ضمن شروط محددة، والذي يُحسب بنسبة تتراوح بين 10% و12% و15% من مجموع أجوره الخاضعة للاقتطاع. إلا أن هذا التعويض غالبًا ما يكون أقل بكثير مما دفعه المشترك فعليًا من اشتراكات.

ولنفترض على سبيل المثال مشترك من الفئة الوسطى الذي عوض بــ12% من مجموع أجوره بفرض أنه اشترك لعشر سنوات فقط، وأن معدل راتبه كان بحدود 200 دينار شهريًا فقط:

مجموع الاشتراكات المدفوعة = 200 دينار شهريًا × 17.5% × 12 شهر × 10 سنوات = 4200 دينار.

وتكون القيمة المستقبلية لهذه الاقتطاعات بعائد استثماري 5% = 5,500 دينار، مباشرة بعد العشر سنوات، وترتفع لأكثر من ذلك بعدها بواقع 5% عن كل سنة يحتفظ بها الضمان قبل دفعه للمشترك.

معدل قيمة الدفعة الواحدة = 12% من مجموع هذه الأجور = 200 × 12% × 12 × 10 = 2880 دينارًا. أي أن هذا المشترك حصل فقط على ثلثي ما دفعه من اشتراكات، أو نصف ما حصل عليه الضمان من اشتراكات واستثمارات.

أي أن الضمان حصل على مكسب = 5500 – 2880 = 2620 دينارًا عن كل مشترك حصل على تعويض الدفعة الواحدة.

تُظهر هذه الحسبة الفردية الفرق الكبير بين ما يدفعه المشترك وما يحصل عليه فعليًا، ما يوضح أن التعويض غالبًا لا يعكس القيمة الحقيقية للاشتراكات المدفوعة، ويؤدي في النهاية إلى فقدان المستفيد فرصة الحصول على راتب تقاعدي دائم ومستدام إذا اختار الاعتماد على الدفعة الواحدة.

قانون العمل كعامل مُفسِّر للانقطاع التأميني واللجوء لتعويض الدفعة الواحدة:

غياب “الحصانة العمرية” في قانون العمل:

يمنح قانون العمل الأردني صاحب العمل مرونة واسعة في إنهاء عقود العمل، سواء كانت محددة أو غير محددة المدة، بموجب مواد مثل 21 و23 و28 و31، في حين رفع قانون الضمان الاجتماعي سن التقاعد إلى 65 عامًا وزاد من شروط الاستحقاق، ما يخلق تباينًا واضحًا بين القانونين. هذا التباين يضع العامل، خاصة في سنواته المهنية الأخيرة، في وضع هش، إذ قد يُنهى عمله بسبب ارتفاع أجره المرتبط بالأقدمية، في وقت تتضاءل فيه فرص حصوله على عمل جديد، بينما لا يكون مستحقًا بعد للراتب التقاعدي. ونتيجة لذلك، تتحول هذه المرحلة إلى فترة من عدم الاستقرار والقلق، وتظهر فئة “المعلقين تأمينيًا”، وهم أفراد يخرجون من سوق العمل دون دخل أو حماية تقاعدية لسنوات، مما يحدّ من فعالية منظومة الحماية الاجتماعية ويستدعي مراجعة قانونية تعزز حماية العاملين من إنهاء الخدمات غير المبرر.

إن أي إصلاح يرفع سن التقاعد دون توفير حماية موازية في قانون العمل يعرض فئة واسعة من العاملين، خصوصا في الأعمار المتقدمة، لخطر الخروج القسري من سوق العمل قبل بلوغ سن الاستحقاق التقاعدي. ولتلافي هذا الخلل البنيوي، يمكن الاسترشاد بالمبدأ القانوني المستقر في بعض الأنظمة المقارنة، وعلى رأسها المملكة المتحدة وأستراليا، فيما يتعلق بمفهوم “الفائض الحقيقيويقوم هذا المبدأ على قاعدة جوهرية مفادها أن إنهاء خدمة العامل بدعوى “إلغاء الوظيفة” لا يكون مشروعا إلا إذا ثبت أن الحاجة الموضوعية إلى الوظيفة ذاتها قد زالت فعليا، لا أن يكون الهدف استبدال شاغلها بشخص آخر أقل كلفة أو أصغر سنا، كما يستتبع ذلك حظر إعادة التعيين على المنصب الملغى، أو على وظيفة مماثلة جوهريا، خلال فترة معقولة، إذ يعد الإعلان عن ذات الوظيفة أو شغلها مجددا قرينة على صورية الإلغاء وتعسف الإنهاء.

هذا المعيار يمنع التحايل التشريعي عبر تغيير المسميات الوظيفية شكليا أو تمرير الفصل تحت غطاء إعادة الهيكلة، ويخضع قرار الإنهاء لرقابة موضوعية توازن بين مرونة الإدارة وحق العامل في الأمن الوظيفي. وفي سياق التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، فإن تبني مبدأ مشابه في قانون العمل الأردني يصبح ضرورة تشريعية، لا سيما مع رفع سن التقاعد وزيادة سنوات الخدمة، بما يضمن عدم خلق فئة من العاملين الذين يقصون من سوق العمل في سنواتهم الأخيرة دون حماية وظيفية أو دخل تقاعدي.

إن مواءمة التشريعين الضمان والعمل عبر إقرار تعريف دقيق للفائض الحقيقي وحظر إعادة التعيين الصوري، من شأنها أن تحصن الإصلاح التأميني من آثاره الجانبية، وتحقق التوازن المطلوب بين استدامة الصندوق وضمان الكرامة المهنية والاقتصادية للعاملين في المراحل المتقدمة من حياتهم العملية.

عند ربط هذا بالواقع الذي ناقشناه في مسودة قانون الضمان الأردني وعلاقته بقانون العمل نجد في ظل المسودة الجديدة فأن قانون العمل لا يمتلك نفس الصرامة في تعريف “الفائض الحقيقي” أو “إعادة الهيكلة”. فصاحب العمل قد ينهي خدمات كبار السن، ثم يعيد التعيين تحت مسميات وظيفية وفي ظل رفع سن التقاعد، يجد العامل نفسه بلا حماية وبلا راتب تقاعدي.

في هذه الحالة، يصبح رفع سن التقاعد دون تعديل مواز في قانون العمل عاملا ضاغطا على الفئة الأكبر سنا. إذ قد ينهى عقدهم قبل بلوغ سن الاستحقاق التقاعدي، فيجدون أنفسهم خارج سوق العمل ودون حق فوري في الراتب التقاعدي. وتتفاقم الإشكالية مع التحول المقترح في تأمين التعطل إلى حساب ادخاري، حيث يضطر العامل إلى استنزاف مدخراته لتغطية سنوات الانتظار، مما يؤدي في النهاية إلى تقليص قيمة راتبه التقاعدي المستقبلي.

وبالتالي، لا تكمن المشكلة في رفع سن التقاعد بحد ذاته، بل في غياب الضمانات التي تمنع الإقصاء المبكر وتؤمّن انتقالًا آمنًا من العمل إلى التقاعد. إن مواءمة قانون العمل مع متطلبات الإصلاح التأميني، من خلال اعتماد تعريف دقيق للفائض الحقيقي وحظر إعادة التعيين الصوري، تُعد شرطًا أساسيًا لضمان ألا يتحول الإصلاح إلى فجوة حماية جديدة بدلًا من أن يكون تعزيزًا لاستدامتها.

مسألة “الكلفة والإنتاجية” في القطاع الخاص

في ظل غياب إطار تشريعي يوفر حماية خاصة للعاملين في الأعمار المتقدمة أو يقدم حوافز اقتصادية لأصحاب العمل للاحتفاظ بهم، قد يؤدي رفع سن التقاعد إلى نتائج عكسية في سوق العمل. فالموظفون الذين يقتربون من سن الستين يكونون غالبًا في أعلى درجات السلم الوظيفي، وبأجور في ذروتها، مما ينعكس بدوره على قيمة الاشتراكات المستحقة عنهم في الضمان الاجتماعي.

وبالتالي، لا تكمن المشكلة في رفع سن التقاعد بحد ذاته، بل في غياب ضمانات تمنع الإقصاء المبكر وتؤمّن انتقالًا آمنًا من العمل إلى التقاعد، وهو ما يعكس مباشرة معضلة “الكلفة والإنتاجية” في القطاع الخاص. ففي غياب إطار تشريعي يحمي العاملين الأكبر سنًا أو يحفّز أصحاب العمل على الاحتفاظ بهم، قد يؤدي رفع سن التقاعد إلى تسريع إنهاء خدماتهم بدلًا من إطالة مشاركتهم في سوق العمل.

ومن منظور آخر، قد ترى بعض المنشآت أن استبدال موظف مرتفع الأجر بموظفين أصغر سنًا وأقل كلفة يحقق وفورات مالية على المدى القصير. وفي ظل غياب قيود واضحة على إنهاء الخدمة في هذه المرحلة العمرية، قد تتزايد حالات الإحلال القسري، ليس بدافع التمييز العمري، بل بدافع إعادة هيكلة الكلف.

وفي هذا السياق، يتحول رفع سن التقاعد، دون إجراء تعديلات موازية في قانون العمل أو توفير حوافز للاحتفاظ بالخبرات، إلى عامل ضغط غير مباشر على الفئة الأكبر سنًا، مما يزيد من احتمالية خروجهم من سوق العمل قبل بلوغ سن الاستحقاق التقاعدي، ويُفاقم ظاهرة “التعليق التأميني” التي تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء عليها.

التحولات المقترحة في نظام التقاعد وأثرها على النساء:

قد تكون النساء الأكثر تضررًا من هذا الاتجاه، ليس فقط بسبب طبيعة مسارات العمل لديهن، بل أيضًا نتيجة سياسات سابقة مرتبطة بنظام الضمان الاجتماعي. فإلغاء تأمين المنح العائلية، وهو أحد التأمينات التي شملها أول قانون للضمان الاجتماعي في الأردن عام 1978، أثر بشكل مباشر على النساء الأمهات اللواتي يتركن العمل للتفرغ لتربية الأطفال في العائلات كبيرة العدد، خاصة عندما يتجاوز عدد الأطفال الصغار اثنين أو ثلاثة. وكان هذا التأمين مرتبطًا أيضًا بتأمين الأمومة، ما يعني أن إلغاؤه قلّص أحد الوسائل التي كانت توفر حماية اجتماعية للنساء.

امتد أثر هذا الإجراء إلى واقع العمل الحالي، إذ صعّب الاستمرار في سوق العمل واستكمال الاشتراك في الضمان الاجتماعي، مما دفع الكثير من النساء إلى اللجوء لتعويض الدفعة الواحدة بدل الحصول على راتب تقاعدي مستدام. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى انتهاء علاقة هؤلاء النساء بالضمان إذا لم يعدن إلى سوق العمل لاحقًا، ما يقلص فرصهن في استكمال الاشتراكات اللازمة للتقاعد. وفي حال رغبتهن بالاستمرار، يتطلب الاشتراك الاختياري القدرة على تسديد كامل الاشتراكات، وهو أمر صعب على كثير من النساء بسبب ارتفاع كلفته التي تبلغ 17.5% من الأجر الخاضع للاقتطاع، ويتحملها العامل وحده.

وفي الوقت نفسه، يسمح القانون للمرأة بالحصول على تعويض الدفعة الواحدة في حالات متعددة لا يُسمح بها للرجال، مثل انتهاء خدمة المؤمنة الأردنية المتزوجة وتفرغها لشؤون الأسرة، أو انتهاء خدمة المؤمنة الأرملة أو المطلقة وتفرغها لشؤون الأسرة، ما يعكس التحديات الخاصة التي تواجه النساء في الوصول إلى راتب تقاعدي مستدام.

وتعكس البيانات التراكمية هذا الاتجاه بوضوح، لا سيما عند النظر إلى الفجوة بين النساء والرجال. فقد بلغ العدد التراكمي للنساء المتقاعدات نحو 66 ألف امرأة، مقابل 140 ألف امرأة حصلن على تعويض الدفعة الواحدة منذ عام 2004-2024 مع استثناء عامي 2020 و 2021 اللذان تأثرا بظروف جائحة كورونا، ما يشير إلى أن عدد النساء اللواتي غادرن النظام عبر التعويض يفوق بكثير عدد اللواتي وصلن إلى التقاعد. وعلى مستوى جميع المشتركين، يبلغ العدد التراكمي للمتقاعدين نحو 360 ألف متقاعدًا، مقابل ما يقارب 193 ألف حالة حصلت على تعويض الدفعة الواحدة أيضا مع استثناء عامي 2020-2021.

وتُظهر هذه الأرقام أن نسبة اللجوء إلى تعويض الدفعة الواحدة مرتفعة بين مشتركي الضمان بشكل عام، وتبدو أكثر وضوحًا بين النساء بشكل خاص، ويعكس هذا الاتجاه تآكلًا تدريجيًا في الدور الحمائي للضمان الاجتماعي، إذ يتحول من نظام يهدف إلى توفير دخل تقاعدي مستدام إلى آلية لصرف تعويضات مالية محدودة لا تحقق الأمان الاقتصادي على المدى الطويل، ومع رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا للرجال و60 عامًا للنساء، يزداد صعوبة وصول النساء إلى التقاعد الكامل، خصوصًا أن مسارات عملهن غالبًا تتسم بفترات انقطاع طويلة بسبب الزواج، تربية الأطفال، المرض، أو فقدان الوظيفة.

إضافة إلى ذلك، تجعل ارتفاع كلفة الاشتراك الاختياري بعد الخروج من سوق العمل استمرار الاشتراك صعبًا، ما يقلص فرص النساء في استكمال عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد. وكل هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن نسبة النساء اللواتي سيصلن إلى التقاعد الكامل ستكون أقل مقارنة بالرجال، وهي محدودة أساسًا حتى في ظل القانون الحالي، ما يعكس أثرًا مباشرًا للتعديلات المقترحة على استدامة الحماية الاجتماعية للنساء.

خاتمة:

يطرح التوسع في صرف تعويض الدفعة الواحدة مقابل التقاعد الوجوبي سؤالًا جوهريًا حول وظيفة الضمان الاجتماعي نفسها. فالضمان لم يُنشأ أساسًا ليكون نظامًا لصرف تعويضات نقدية مؤقتة، بل نظام حماية اجتماعية قائمًا على توفير رواتب تقاعدية مستدامة تحمي الأفراد عند التقدم في العمر.

كما أن التوجه المتزايد للجوء إلى تعويض الدفعة الواحدة سيزيد الضغوط على صندوق المعونة الوطنية، إذ سيجد كثير من الأفراد أنفسهم دون راتب تقاعدي مستدام ويضطرون للاعتماد على دعم الدولة بعد استنفاد المبالغ النقدية التي حصلوا عليها من التعويض، خاصة أن معظم المستفيدين يميلون إلى إنفاق التعويض بالكامل دون ادخار جزء منه لمستقبلهم، ما قد يزيد الأعباء المالية على الحكومة على المدى الطويل.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح التعديلات يعتمد على قدرة الجهات المختصة على تحقيق توازن دقيق بين استدامة الصندوق وحماية الحقوق التقاعدية للمشتركين، وضمان أن يظل الضمان الاجتماعي أداة حقيقية للأمان المالي عند التقدم في العمر، وليس مجرد آلية لتسوية مالية مؤقتة.

وتشير هذه الملاحظات إلى أن الضمان الاجتماعي لن يحقق هدفه الأساسي في توفير دخل تقاعدي مستدام ما لم تُتخذ إصلاحات عاجلة تعالج الفجوات الحالية وتدعم المشتركين، خاصة في القطاع الخاص والنساء.

ومن هذا المنطلق، يوصى باتخاذ مجموعة من الإصلاحات المتكاملة لتعزيز استدامة النظام وحماية الحقوق التقاعدية، وتشمل:

التوصيات:

1-تعزيز استقرار المسار الوظيفي وضمان الوصول إلى التقاعد

مراجعة الإطار الناظم لعلاقات العمل بما يحد من إنهاء الخدمات المبكر، خصوصًا للفئات الأكبر سنًا، ويدعم استمرارية الاشتراك حتى بلوغ سن التقاعد الوجوبي، بما يضمن عدم انقطاع المسار التأميني للمشتركين من خلال عمل مراجعة تشريعية شاملة تشمل تعديل قانون العمل الأردني لمنح حصانة خاصة للموظفين الذين تجاوزوا سن الـ 55، بحيث يمنع إنهاء خدماتهم إلا في حالات “الفصل التأديبي” المثبت قطعيا، أو في حال إثبات “إلغاء المنصب” فعلياً مع حظر إعادة التعيين عليه لمدة لا تقل عن سنتين (على غرار التجربة البريطانية والأسترالية) على ان يكون قرار انهاء الخدمة صادر عن جهة مستقلة مثل سلطة الأجور. كذلك فرض نصوص قانونية تلزم المنشآت بإعادة تأهيل الموظفين الذين تراجعت قدراتهم البدنية بسبب تقدم السن، ونقلهم إلى وظائف إدارية أو إشرافية بدلا من فصلهم، مع دعم هذه البرامج من خلال “صندوق الاستثمار” في الضمان

2- إعادة تقييم نظام تخفيض الاشتراكات في القطاع الخاص

بما يضمن عدم انعكاسه سلبًا على قيمة المنافع التقاعدية، مع إدخال آليات داعمة مثل مساهمة حكومية جزئية للحفاظ على كفاية المعاشات وتعزيز العدالة بين المشتركين.

3- توسيع الشمول التأميني ومعالجة الفجوات الهيكلية

تطوير سياسات تستهدف الفئات الأقل شمولًا، خاصة العاملين في القطاع غير المنظم والنساء، من خلال تسهيلات في الاشتراك، وأنماط مرنة تأخذ بعين الاعتبار الانقطاعات في العمل، بما يعزز فرص الوصول إلى تقاعد مستدام.

4- تعزيز الثقة في النظام واستقراره

الحد من التعديلات المتكررة، وتعزيز وضوح المعلومات المتعلقة بالحقوق التقاعدية وآليات الاحتساب، بما يساهم في بناء ثقة المشتركين ويشجعهم على الاستمرار في النظام بدل الخروج منه عبر تعويض الدفعة الواحدة.

المراجع:

  • المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. نظام تخفيض اشتراكات تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة للعاملين في منشآت القطاع الخاص. عمّان: المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، 2024.
  • المجلس الاقتصادي والاجتماعي. إطلاق دراسة حول “مبادرة الشركات الميكروية والصغيرة والمتوسطة” بالشراكة بين المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومنظمة كير العالمية في الأردن. عمّان: المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 2022.
  • حبر. الضمان الاجتماعي وغياب العدالة: كيف يُقتطع من أجور الفقراء لدعم رواتب الأغنياء. عمّان: حبر، 2020.
  • قانون حقوق العمل لعام 1996، المادتان 98 و139 (المملكة المتحدة).
  • حبر. النساء في الضمان الاجتماعي: عقود من التمييز الممأسس. عمّان: حبر، 2019.
  • المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. نشرة توعوية: الانتساب الاختياري. عمّان: المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، 2021.
  • المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. نظام المنافع التأمينية. عمّان: المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، 2024.
  • المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. التقرير السنوي 2024. عمّان: المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، 2025.
  • المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. التقارير السنوية 2004–2024.
  • قانون العمل الأردني.

محتوى ذو صلة