بقلم: أبيغيل هاربر، متدربة في مركز النهضة الإستراتيجي
يحمل موضوع اليوم العالمي للتعليم لهذا العام، الذي يُحتفل به سنويًا في 24 كانون الثاني/يناير، عنوان: قوة الشباب في المشاركة في صناعة التعليم. وفي الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي إلى تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، المتمثل في «ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة»، يشكّل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من نصف سكان العالم. وباعتبارهم المستفيدين الرئيسيين من أنظمة التعليم يصبح من الضروري إشراك الشباب بشكل فعلي في رسم مستقبل التعليم. وتزداد أهمية ذلك في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والأنظمة العالمية.
كان موضوع اليوم العالمي للتعليم في العام الماضي هو “الذكاء الاصطناعي والتعليم: الفاعلية الإنسانية في عالم مؤتمت“. وبعد مرور عام، لا يزال المجتمع الدولي يشهد تغيرات تكنولوجية متسارعة تطرح أسئلة ملحّة حول غاية التعليم، وإمكانية الوصول إليه، وجودته. يوفّر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة فرصًا لا يمكن تفويتها لتعزيز أنظمة التعليم، إلا أن استعمالها يجب أن يتم بحذر، مع ضمان وجود أطر تنظيمية وحمايات واضحة.
في الأردن، تشير الاستثمارات الأخيرة في قطاع التعليم إلى تنامٍ في الزخم نحو التحول الرقمي. وتحدّد الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي وخطة التنفيذ 2026–2028 توجهات الحكومة لتعزيز البرامج التعليمية، بما يزوّد الأجيال القادمة بالمهارات اللازمة للتميّز في العصر الرقمي. في المقابل، لا يزال النظام التعليمي الأردني يواجه تحديات كبيرة، من بينها ارتفاع معدلات التسرب المدرسي المرتبطة بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية، واعتماد أساليب تدريس تقليدية، وضعف البنية التحتية. كما أسهم النمو الحضري السريع واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين في زيادة الضغط على الموارد المحدودة أصلًا. وتؤثر هذه التحديات بشكل غير متكافئ على الفتيات والأطفال اللاجئين، الذين يواجهون عوائق إضافية مثل الزواج المبكر والعنف وانعدام الأمن. وعند استخدامه بشكل مسؤول، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في التخفيف من بعض هذه الضغوط.
في كانون الأول/ديسمبر 2025، أطلقت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) مبادرة: الاستثمار في المستقبل: بناء أنظمة تعليمية مستدامة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الأردني واستندت المبادرة إلى دراسة جدوى شاملة أُجريت بالتعاون مع الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور ووزارة التربية والتعليم، وتهدف إلى دعم دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بشكل مستدام وشامل ومراعي للسياق المحلي. وتؤكد زينب الخليل، مديرة البرامج في المنظمة “أن الاستثمار في التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي هو في جوهره استثمار في الإنسان. فعندما يتم تمكين الشابات والشبان من التفاعل النقدي مع التكنولوجيا، يصبحون شركاء فاعلين في صناعة أنظمة تعليمية شاملة ومنصفة ومهيّأة للمستقبل”.
إلى جانب المبادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تواصل المنظمة الاستثمار في برامج تعليمية شاملة تقودها فئة الشباب. وتشجّع هذه المشاريع الشباب على تطوير مهاراتهم، بما يؤهلهم لدخول سوق عمل رقمي يزداد تعقيدًا.
وقد أُطلقت مبادرة نداء للتغيير في كانون الأول/ديسمبر 2025 لتعزيز التعليم الشامل للفتيات. وتهدف المبادرة إلى دعم نظام تعليمي منصف ومتاح للجميع في محافظتي عمّان والمفرق، من خلال جمع الطلبة والمعلمين على طاولة واحدة لمناقشة التحديات الميدانية واقتراح حلول تشاركية تسهم في تحسين جودة التعليم في المحافظتين. كما تشجّع الفتيات على أن يكنّ قوة دافعة للتغيير، وقائدات ملهمات قادرات على المساهمة في بناء مستقبل تعليمي أكثر شمولًا للجميع.
وبالمثل، تناول مشروع بحثي أُنجز عام 2024 دور التعليم والتدريب التقني والمهني (TVET) للشباب في الأردن. إذ تزوّد برامج التدريب التقني والمهتني الأردنيين واللاجئين بمهارات عملية وشخصية تدعم الاندماج في سوق العمل وتعزّز الاعتماد على الذات. وبالنسبة للاجئين على وجه الخصوص، يساهم الوصول إلى هذه البرامج في تقليل أخطار الاستغلال من خلال فتح مسارات نحو الاستقلال الاقتصادي. وتؤكد نتائج البحث أهمية الاستثمار في أنظمة تعليم وتدريب مهني عالية الجودة تخدم اللاجئين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء، بما يعزّز القوى العاملة ويسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
في جميع هذه المبادرات الشبابية، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية مع تغلغله في مختلف جوانب الحياة اليومية. إلا أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يخلو من مخاطر. إذ تحذّر اليونسكو من أن التطورات التكنولوجية السريعة سبقت النقاشات السياسية والأطر التنظيمية. ولا يقتصر هذا الأمر على الذكاء الاصطناعي في التعليم، بل يشمل جميع مجالات الحياة التي تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا. وقد تناولت دراسة حالة حديثة أعدّتها منظمة النهضة (أرض) من خلال مركزها الإستراتيجي كيفية استخدام العنف ضد الفتيات والنساء والمُيسّر تكنولوجيّا (TFGBV) كآلية للإقصاء الديمقراطي، من خلال إبعاد النساء عن الفضاءات العامة الرقمية. وتُظهر هذه الدراسة كيف يمكن أن يؤدي الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى إلحاق الضرر، بدلًا من تحقيق المنفعة، بالأفراد الأكثر هشاشة.
ويُعدّ التحيّز ضد النساء والفتيات في الذكاء الاصطناعي مصدر قلق بالغ. فعندما تعيد نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) إنتاج الصور النمطية القائمة، فإنها تخاطر بتعزيز التمييز ضد النساء والفتيات. وتقول زينيا ديل فيار، مديرة البيانات والتكنولوجيا والابتكار في Data-Pop Alliance “غالبًا ما تعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تتعلّم من بيانات مليئة بالصور النمطية، تحيّزات جندرية وتعزّزها. ويمكن أن تحدّ هذه التحيّزات من الفرص والتنوّع، لا سيما في مجالات مثل اتخاذ القرار، والتوظيف، والموافقة على القروض، والأحكام القانونية”.
كما تعكس العديد من نماذج اللغة الكبيرة تحيّزًا غربيًا واضحًا. فالتاريخ الطويل لتركّز أبحاث الذكاء الاصطناعي وابتكاره في الدول الغربية أدّى إلى هيمنة البيانات باللغة الإنجليزية، والمنشورات الأكاديمية، والأطر التكنولوجية الغربية. ونتيجة لذلك، تفشل العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي في عكس تنوّع الثقافات والتجارب المعيشة حول العالم، ما يعزّز افتراضات ضارة ويعمّق أوجه عدم المساواة القائمة. فعلى سبيل المثال، قد تتمكّن أداة ذكاء اصطناعي من التعرّف بدقة على مراجع ثقافية غربية، لكنها تعجز عن الاستجابة بشكل هادف لأسئلة متجذّرة في تقاليد محلية أو سياقات غير غربية، ما يعكس محدودية وعيها الثقافي العالمي.
ويمتد هذا التحدي ليتعدى الجانب الثقافي وليشمل الجانب اللغوي. فاللغة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة الثقافية والهوية والانتماء المجتمعي، إلا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تفشل في تمثيل هذا التنوع. فمعظم أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المساعدات الافتراضية وروبوتات الدردشة، تعمل بعدد محدود من اللغات واسعة الانتشار، بينما يتم تجاهل اللهجات الإقليمية واللغات الأقل انتشارًا، ما يحدّ من الوصول ويزيد من تهميش الفئات المهمّشة أصلًا.
من الواضح إذًا أنه من دون أساس أخلاقي واضح، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في تعميق أوجه عدم المساواة بطرق متعددة. لذلك، يجب أن يُوجَّه استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، أولًا وقبل كل شيء، بمبادئ الشمول والعدالة والفاعلية الإنسانية. ويتطلّب التصدي لهذه التحديات حلولًا منهجية وإنسانية في آن واحد. فمن جهة، يجب تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تقلّل من التحيّز. ومن جهة أخرى، ينبغي تزويد الطلبة والمعلمين بالمهارات اللازمة للتعامل النقدي مع هذه التقنيات.
وتؤكد ديل فيار: “للحد من التحيّز بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي، من الضروري أن تكون البيانات المستخدمة في تدريب هذه الأنظمة متنوعة وتمثّل جميع الأجناس والأعراق والمجتمعات”. وتضيف: “يتطلب ذلك اختيار بيانات تعكس خلفيات اجتماعية وثقافية وأدوارًا مختلفة، مع إزالة التحيّزات التاريخية، مثل ربط وظائف أو صفات معينة بجنس دون آخر». ولا يقل أهمية عن ذلك هو هوية مطوّري أنظمة الذكاء الاصطناعي أنفسهم، إذ تسهم فرق التطوير المتنوعة في توسيع زاوية الرؤية وتقليل النقاط العمياء التي قد تشكّل تقنيات متحيّزة”.
كما تُعدّ التوعية العامة والتعليم عنصرين أساسيين. فعندما يفهم الشباب كيفية عمل الذكاء الاصطناعي وحدوده، يصبحون أكثر قدرة على استخدامه بشكل مسؤول. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزّز عدم المساواة أو يساهم في تفكيكها. ووفقًا للأمم المتحدة، هناك خمس خطوات رئيسية يمكن أن تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر شمولًا:
- استخدام مجموعات بيانات متنوعة وتمثيلية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي
● تعزيز شفافية الخوارزميات في أنظمة الذكاء الاصطناعي
● ضمان تنوّع وشمول فرق تطوير وبحث الذكاء الاصطناعي لتفادي النقاط العمياء
● اعتماد أطر أخلاقية قوية لأنظمة الذكاء الاصطناعي
● إدماج سياسات مراعية للفروقات بين الجنسين في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي
لقد تضاعفت التحديات التي يواجهها الشباب في الأردن، لكن الفرص المتاحة أمامهم تضاعفت أيضًا. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا وحدها لن تحل أوجه عدم المساواة البنيوية، فإن المقاربات المبتكرة التي يقودها الشباب يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل التعليم بطرق أكثر شمولًا وإنصافًا. ومع استمرار الأدوات الرقمية في تحويل أساليب التعلّم، سيظل تمكين الشباب من المشاركة في التصميم، وطرح الأسئلة، وتوجيه استخدام هذه الأدوات أمرًا جوهريًا – ليس فقط لضمان نتائج تعليمية أفضل، بل لبناء مستقبل تكون فيه التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا العكس.









