خبر
التحولات العربية

اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية: لماذا تبقى العدالة الاجتماعية مسألة ثانوية في ظل الأزمات السياسية

بقلم: إيلا هيندرمان – متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي

يحتفي المجتمع الدولي في العشرين من شباط/فبراير من كل عام، يحيي اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، مجدداً التزامه بالعدالة والمساواة والديمقراطية والتنمية الشاملة. ومع ذلك، وبالنسبة لملايين الأشخاص الذين يعيشون في مناطق تعاني من أزمات سياسية ممتدة، تبقى هذه المبادئ أقرب إلى الطموح منها إلى الواقع، وقد تبدو بعيدة المنال. فعلى الرغم من أن الالتزامات العالمية تؤكد باستمرار أن التنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية شرط أساسي لتحقيق السلام والأمن والحفاظ عليهما، فإن الواقع السياسي على الأرض غالباً ما يعكس صورة مختلفة تماماً.

وقد أُقر هذا اليوم من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2007 بهدف تسليط الضوء على ضرورة بناء عالم أكثر إنصافاً للجميع، والدعوة إلى تكثيف الجهود لمكافحة البطالة والفقر على مستوى العالم. كما يشجع على الشمول الاجتماعي، والتوزيع العادل للدخل، وتعزيز الوصول إلى الموارد على أساس العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

إن الحاجة الملحة إلى العدالة الاجتماعية ليست قضية نظرية أو طارئة. فالظلم الاجتماعي العالمي ليس عشوائياً ولا جديداً، بل تطور عبر الزمن وترسّخ ضمن هياكل بنيوية عميقة. ولذلك، لا بد من النظر بعناية إلى الديناميات العالمية عند تناول البعد الدولي للعدالة الاجتماعية، نظراً لارتباطها بالنظام العالمي لما بعد الاستعمار.

فالتفاوت العالمي في الوصول إلى الموارد والسلطة السياسية والفرص الاقتصادية لا يعود فقط إلى إخفاقات السياسات المعاصرة، بل هو متجذر في مسارات تاريخية ما تزال تؤثر في النظام الدولي الحالي. وفي العديد من السياقات، يمكن تتبع أنماط عدم المساواة والإقصاء إلى البُنى السلطوية الاستعمارية وما بعد الاستعمار، وإلى عمليات تشكّل الدول الحديثة وما رافقها من نظام عالمي جديد قائم على الاعتماد الاقتصادي المتبادل والتهميش السياسي المستمر حتى اليوم. ولهذا، ليس من المستغرب أن يؤدي التوزيع غير العادل للموارد والفرص بين الدول والمناطق إلى مسارات تنموية غير متكافئة.

ولا تزال هذه الاختلالات التاريخية في موازين القوة تشكّل النظام الاقتصادي العالمي المعاصر. فبينما أوجدت العولمة المتسارعة والاعتماد الاقتصادي المتبادل فرصاً جديدة للنمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة في العديد من مناطق العالم، فقد ساهمت أيضاً في ترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة. ففي كثير من السياقات، أدى هذا الاعتماد المتبادل إلى اتساع فجوات الدخل، واستمرار البطالة، وارتفاع معدلات الفقر، ولا سيما في المناطق التي تعاني أصلاً من عدم الاستقرار السياسي وضعف القدرة الاقتصادية.

ومع استمرار الأزمات السياسية الممتدة في مناطق مثل المنطقة العربية، تتقاطع هذه الديناميات العالمية مع تحديات الحوكمة المحلية، مما يزيد من تعقيد مسارات تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مجتمعات شاملة وتشاركية.

وتبرز سوريا مثالاً واضحاً على صعوبة تحقيق العدالة الاجتماعية في سياقات عدم الاستقرار السياسي. فباعتبارها دولة تضم تنوعاً واسعاً من الإثنيات والانتماءات الدينية، تمتلك سوريا تاريخاً طويلاً من التفاوض حول الهوية الاجتماعية والوطنية، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضايا التعددية والمشاركة السياسية والتمثيل. إلا أن أنماط الإقصاء والتبعية والعنف الطائفي المتجذرة تاريخياً عادت إلى الظهور في التطورات الأخيرة.

وعلى مدى سنوات، تعرضت جماعات أقليات مختلفة في سوريا للعنف والنزوح وانعدام الأمن المتكرر. كما أن الهجمات المتكررة والتحولات الإدارية والإقليمية المتواصلة كان لها تأثير عميق على هياكل الحوكمة المحلية، مما عمّق حالة عدم اليقين لدى السكان المدنيين. وفي هذا السياق المتنوع والمتأثر بالنزاع، غالباً ما تُعطى الأولوية للاعتبارات الأمنية والسيطرة الإقليمية والاستقرار السياسي العاجل في عمليات صنع القرار، بينما تبقى العدالة الاجتماعية مسألة ثانوية.

وبالتالي، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية للأقليات في سوريا يصبح مرتبطاً بالترتيبات السياسية والمصالح الاستراتيجية للفاعلين السياسيين على المستويين الوطني والدولي.

ومن بين هذه المصالح الاستراتيجية مسألة الموارد الطبيعية، إذ تتمتع المناطق الشمالية من سوريا، ذات الغالبية الكردية والتي تتمتع بوفرة نسبية من هذه الموارد، ما جعلها ساحة تتنافس فيها أطراف متعددة لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية. ويؤدي التنافس على الأراضي والموارد إلى تعقيد جهود بناء هياكل حوكمة شاملة وضمان تكافؤ الفرص. وغالباً ما تجد مجتمعات الأقليات نفسها أكثر هشاشة في مثل هذه البيئات، حيث تصبح أوضاعها المحلية رهينة لتوازنات القوى الأوسع.

وتثير هذه الظروف تساؤلات ملحّة حول ضمانات الأمن، والوصول إلى الخدمات الأساسية، وسبل العيش المستدامة، خصوصاً بالنسبة للسكان النازحين الذين تمثل هذه العوامل أساساً حاسماً عند التفكير في العودة المحتملة.

وفي سياقات إعادة تشكيل هياكل الحوكمة، قد يتم تهميش المشاركة السياسية للمجموعات المتأثرة، وهو ما يحمل آثاراً مباشرة على العدالة الاجتماعية. فالمشاركة في صنع القرار السياسي ليست مجرد مبدأ ديمقراطي، بل شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية. وبدون مشاركة فعلية في اتخاذ القرار، تبقى الحقوق هشة وخاضعة لتقلب المصالح السياسية.

وتوضح هذه الديناميكية كيف يمكن لإعطاء الأولوية للاستقرار قصير الأمد خلال الأزمات السياسية أن يعيد إنتاج أنماط الإقصاء ويسهم في ترسيخ الظلم على المدى الطويل، مما يجعل العدالة الاجتماعية قضية مؤجلة رغم الحاجة الملحّة إليها.

ولا تمثل الحالة السورية مثالاً معزولاً، بل تعكس نمطاً إقليمياً أوسع يتسم باستمرار النزاعات والإقصاء السياسي. ففي العديد من السياقات داخل المنطقة العربية، يتم تقديم الاعتبارات الأمنية العاجلة والسيطرة الإقليمية والاستقرار المؤقت على حساب الحوكمة الشاملة.

وتكشف هذه الديناميكية عن توتر عميق بين الأولويات السياسية ومتطلبات العدالة الاجتماعية. فالأنظمة القائمة على اختلالات تاريخية في موازين القوة، والتبعية الاقتصادية غير المتكافئة، والتهميش السياسي، وعدم العدالة في الوصول إلى الموارد والفرص، تجعل تحقيق العدالة الاجتماعية أكثر صعوبة. وعندما يصبح الاستقرار الشرط الأساسي للسلام والتنمية، بينما يتم تهميش المشاركة السياسية، يصبح من الضروري التساؤل: لصالح من يتحقق هذا الاستقرار؟ وهل يمكن أن يكون مستداماً في غياب العدالة الاجتماعية؟

وعليه، يسلّط اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الضوء على الفجوة الكبيرة بين الالتزامات العالمية والواقع المعيش، خاصة في المناطق المتأثرة بأزمات سياسية مستمرة. ففي مثل هذه السياقات، لا يمكن تأجيل العدالة الاجتماعية إلى حين تحسن الظروف السياسية أو تحقيق الاستقرار الكامل؛ بل يجب الاعتراف بالمشاركة الشاملة في صنع القرار، والحماية القانونية، والحوكمة العادلة باعتبارها عناصر أساسية في أي عملية سياسية تسعى إلى سلام واستقرار دائمين.

وإلا، فإن الترتيبات السياسية التي تعطي الأولوية للاستقرار على حساب الشمول والمشاركة قد تؤدي إلى مأسسة الظلم الاجتماعي بدلاً من معالجته.

 

مواضيع ذات صلة