المدونات والمقالات

التداعيات الجيوسياسية والاستراتيجية والإنسانية للأزمة الراهنة في المنطقة

سلسلة حوارات السياسات الإقليمية في زمن الحرب — ملخص الجلسة الافتتاحية

نظرة عامة

يدخل الشرق الأوسط مرحلة تصعيد متسارع، حيث تنذر الأزمة الحالية بالتحول إلى صراع إقليمي ودولي أوسع نطاقًا. فقد انتقلت ديناميكيات العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران من المواجهة غير المباشرة إلى الانخراط العسكري المباشر، فيما يسهم توسّع العمليات في لبنان وغزة في رفع احتمالات اندلاع حرب أشمل.

عُقدت الجلسة الأولى من سلسلة حوارات السياسات الإقليمية في زمن الحرب يوم الأربعاء 18 آذار، تحت عنوان “نظام إقليمي في حالة تحوّل: التحولات الجيوسياسية ومخاطر التصعيد”. وقد تناول المتحدث الضيف، يوست هيلترمان، الناشط والكاتب الهولندي والمدير السابق لبرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع التي تشكّل هذه الأزمة، بما في ذلك تطور المواجهة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ودور التحالفات الإقليمية وشبكات الوكلاء، والسيناريوهات المحتملة لتطور النزاع. وقد أدارت الجلسة الدكتورة مريم أبو سمرة، رئيسة مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض).

لفهم هذه الأزمة، لا بد من وضعها في سياق الديناميكيات البنيوية طويلة الأمد في الشرق الأوسط، بما يشمل الإرث الاستعماري، والتنافسات الجيوسياسية، والقضية الفلسطينية غير المحلولة. ومن هذا المنطلق، جاءت الحاجة إلى تنظيم هذه السلسلة الحوارية، التي يستضيفها مركز النهضة الاستراتيجي في “أرض”، حيث يجتمع خبراء وصنّاع سياسات وباحثون وممارسون لتحليل التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية والمجتمعية للأزمة المتصاعدة في المنطقة.

حرب اختيارية: أهداف إسرائيل والولايات المتحدة

افتتحت الجلسة بإطار تحليلي قدّمه الدكتور هيلترمان، وصف فيه الصراع الحالي بأنه “حرب اختيارية” بادرت بها الولايات المتحدة وإسرائيل. وخلال حرب حزيران 2025، عمل الحليفان وفق أهداف متباينة؛ إذ سعت الولايات المتحدة أساسًا إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، بينما كانت طموحات إسرائيل أوسع بكثير، وتشمل القضاء على قدرة إيران على تشكيل أي تهديد استراتيجي، بما في ذلك قدراتها النووية وبنيتها التحتية العسكرية، وربما النظام نفسه.

وكانت فكرة تغيير النظام في إيران غير مرغوبة بشدة لدى الولايات المتحدة، خاصة في ضوء تجربتها في العراق. فإيران تمثل تحديًا أكثر تعقيدًا: دولة أكبر وأكثر تشابكًا، تفتقر إلى معارضة سياسية منظمة، ونظامها متغلغل في الاقتصاد والمجتمع. كما أن أي انتقال قسري قد يؤدي إلى فوضى لها آثار خطيرة على أسواق النفط العالمية.

في المقابل، تختلف حسابات إسرائيل، إذ إن عدم الاستقرار الإقليمي لا يشكل خطرًا مباشرًا عليها بنفس الدرجة، نظرًا لأن تدفقات اللاجئين لن تتجه إلى أراضيها. أما الولايات المتحدة وحلفاؤها فيعتمدون بشكل كبير على استقرار إمدادات النفط، ما يجعل استمرار الاضطراب أمرًا بالغ الخطورة. وقد ساهم هذا التباين في الأهداف في قرار الرئيس ترامب وقف العمليات العسكرية.

لكن ما الذي يفسر التحول اللاحق في الموقف الأمريكي؟ يبدو أن عدة عوامل تضافرت، من بينها عدم قابلية التنبؤ في صنع القرار داخل إدارة ترامب، وتأثير الأطراف الأقرب إلى دوائر القرار، إضافة إلى نجاح رئيس الوزراء نتنياهو في ترسيخ رواية مفادها أن حملة 2025 لم تُنجز أهدافها، وأن إيران لا تزال تمثل تهديدًا مباشرًا. وقد أسهم هذا الطرح في دفع الولايات المتحدة إلى تبنّي أهداف أوسع، دون وجود استراتيجية واضحة لتحقيقها.

موقف إيران: البقاء بأي ثمن

على خلاف نظام الشاه الذي أُطيح به عام 1979 وغادر البلاد، لا تملك القيادة الإيرانية الحالية خيار المنفى، ما يجعلها تتجه نحو القتال من أجل البقاء دون هامش يُذكر للتسوية.

وتحتفظ إيران بقدرة كبيرة على إلحاق أضرار اقتصادية بالمجتمع الدولي، لا سيما عبر تعطيل إمدادات النفط العالمية، ما يمنحها أوراق ضغط مؤثرة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

دور القوى الدولية: روسيا، الصين، وأوروبا

أوروبا
تُظهر الحكومات الأوروبية ترددًا متزايدًا في الاصطفاف مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية، معتبرةً أن هذه “حرب اختيار” لم تُستشر فيها. ورغم ذلك، يبقى خطر الانخراط التدريجي قائمًا، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة.

روسيا
في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا، تفتقر روسيا إلى القدرة أو الدافع لتقديم دعم فعّال لإيران. لكنها في المقابل تستفيد اقتصاديًا من الأزمة، حيث أدى تخفيف الضغوط على صادراتها النفطية إلى زيادة إيراداتها.

الصين
تُعد الصين الفاعل الدولي الوحيد القادر على إحداث تحول حاسم. وحتى الآن، اقتصر دورها على الاقتصاد والدبلوماسية الانتقائية، كما في رعايتها للتقارب الإيراني السعودي عام 2023. وقد نجحت في الحد من تأثير الأزمة عليها عبر تأمين طرق تجارتها، كما تواصل التقدم نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الطاقي.

كيف يمكن أن تنتهي هذه الأزمة؟ السيناريوهات والمؤشرات

أشار هيلترمان إلى صعوبة التنبؤ بمسار الأزمة، لكنه حدد عددًا من المؤشرات المهمة، من بينها:

  • تحركات أسعار النفط العالمية وتأثيرها على الداخل الأمريكي
  • ديناميكيات الانتخابات الأمريكية والضغوط الشعبية
  • تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية

السيناريوهات المحتملة:

إعلان نصر أمريكي
قد تعلن الولايات المتحدة تحقيق أهدافها وتنهي العمليات، كخيار سياسي مناسب.

استمرار التصعيد
قد يتوسع النزاع ليشمل أطرافًا إضافية، ما يزيد من خطورته.

هدنة تفاوضية
قد تؤدي المفاوضات إلى توقف مؤقت دون حل جذري، مع احتمال سعي إيران لاحقًا لتعزيز قدراتها النووية.

التداعيات الجيوسياسية: نحو نظام متعدد الأقطاب

وضعت الجلسة الصراع ضمن سياق تحول عالمي من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب. ورغم ما يحمله ذلك من عدم يقين، فإنه قد يفتح المجال أمام أدوار جديدة لقوى دولية أخرى.

البعد الإنساني للأزمة

أكّدت الدكتورة أبو سمرة أهمية عدم إغفال البعد الإنساني، حيث تؤثر هذه التحولات الكبرى بشكل مباشر على حياة الناس اليومية. ففي لبنان، بدأت بالفعل ملامح أزمة لجوء، ومن غير المرجح أن يؤدي أي من السيناريوهات المطروحة إلى استقرار دائم.

الحاجة إلى نهج دبلوماسي شامل

رغم غياب المفاوضات حاليًا، خلصت الجلسة إلى ضرورة اعتماد مقاربة دبلوماسية شاملة، تأخذ في الاعتبار مختلف أزمات المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

كما حذّرت من أن تركيز الاهتمام على هذه الحرب قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع في غزة والضفة الغربية ولبنان، مما يهيئ لدورات جديدة من الأزمات.

استمرار الحوار

تواصل سلسلة حوارات السياسات الإقليمية في زمن الحرب استكشاف هذه القضايا في جلسات قادمة، بمشاركة خبراء إقليميين ودوليين، بهدف بناء فهم أعمق وأكثر شمولًا لتداعيات هذا الصراع على المنطقة والعالم.