كثيرًا ما يجري الحديث عن اللاجئين من خلال الإحصاءات والسياسات والبرامج الإنسانية والتقييمات المؤسسية. غير أن فهم تجربة اللجوء والنزوح يتطلب أيضًا الاستماع إلى من يعيشونها بأنفسهم.
يمكن للشهادات المباشرة أن تكشف كيف تبدو السياسات والاستجابات الإنسانية من منظور اللاجئين أنفسهم: حالة عدم اليقين المرتبطة بتصريح العمل، وصعوبة الوصول إلى معلومات موثوقة، وتجربة ظروف العمل غير المتكافئة، أو الأمل في العودة إلى الوطن يومًا ما. وإتاحة المجال لهذه الأصوات لا تقتصر على توثيق قصص فردية، بل تتيح للاجئين التعبير بأنفسهم عما يهمهم، وما يتغير من حولهم، وما يعتقدون أنه يحتاج إلى مزيد من الاهتمام.
تأتي هذه التأملات في سياق دور الأردن الممتد بوصفه من الدول الرئيسية المستضيفة للاجئين، وفي وقت يواجه فيه اللاجئون والمجتمعات المستضيفة والجهات الفاعلة في العمل الإنساني والمؤسسات الوطنية ضغوطًا اقتصادية متزايدة وتراجعًا في الموارد الإنسانية.
وتعكس الآراء الواردة هنا تجارب فردية، ولا ينبغي اعتبارها ممثلة لجميع اللاجئين أو تقييمات مؤسسية لسياسات أو جهات بعينها.
في حوارات مع سامية ومحمد وهدير وبيان، يتحدث أربعة أشخاص يمتلكون خبرة واسعة في أوساط مجتمعات اللاجئين والعمل الإنساني في الأردن عن جوانب مختلفة من تجربة اللجوء والنزوح. ولا تقدم شهاداتهم تجربة واحدة جامعة للاجئين، بل تطرح أربعة منظورات تشكلت بفعل خلفيات واهتمامات وتطلعات مختلفة.
سامية: “لا أحد يختار أن يصبح لاجئًا”
سامية طبيبة سودانية تتمتع بخبرة واسعة في مجال مناصرة قضايا اللاجئين والعمل الإنساني. تطوعت مع إحدى وكالات الأمم المتحدة المعنية باللاجئين بين عامي 2009 و2012، وشغلت منصب سفيرة وطنية بين عامي 2012 و2017، إلى جانب دورها كسفيرة للشباب في الأردن. وتتعاون مع النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) منذ عام 2010، كما عملت مع عدد من المنظمات الأخرى الداعمة للاجئين وطالبي اللجوء.
وتبدأ رسالتها من الطريقة التي يُنظر بها إلى اللاجئين:
“لا أحد يختار أن يصبح لاجئًا. نحن بشر مثل أي شخص آخر، وكل ما نطلبه هو أن نُعامل بكرامة واحترام”
وترى سامية أن اللاجئين ينبغي أن يُعاملوا على قدم المساواة مع الآخرين، وألا يُنظر إليهم بدونية بسبب ظروف لم يختاروها.
كما تتحدث عن حالة عدم الأمان المرتبطة بتصاريح العمل والحماية. ووفقًا لسامية، فإن اللاجئين غير السوريين الذين يتنازلون عن صفة اللجوء للحصول على تصريح عمل يفقدون حماية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وإذا أُلغي تصريح العمل لاحقًا، فقد يواجهون تبعات قانونية أو متعلقة بالإقامة، أو خطر الترحيل بسبب العمل بصورة غير قانونية. وتقول إن هذا الوضع يترك الناس في حالة من الخوف من فقدان وضعهم القانوني والحماية التي يعتمدون عليها في الوقت نفسه.
أما دافعها الشخصي، فينبع من مساعدة أشخاص قد لا يجدون جهة أخرى يلجؤون إليها:
“كثير من اللاجئين ليس لديهم أحد في الخارج يمكنه دعمهم. وعندما نستطيع تقديم المساعدة، ولو بشكل بسيط، أتذكر لماذا لهذا العمل كل هذه الأهمية.“
وتوضح أن كثيرًا من الناس يريدون ببساطة أن يشعروا بأن هناك من يسمعهم ويفهمهم. وبالنسبة لمن ليس لديهم أقارب أو أصدقاء في الخارج قادرون على تقديم دعم مالي، فإن حتى الدعم المجتمعي المحدود يمكن أن يُحدث فرقًا ملموسًا.
محمد: الحاجة إلى إجابات وإلى صوت مباشر
بدأ محمد العمل التطوعي في الأردن عام 2015، ومنذ عام 2016 يعمل على دعم اللاجئين من خلال منظمات إنسانية ومبادرات مجتمعية أطلقها بنفسه.
وعندما سُئل عما يفتقده اللاجئون من أشكال الدعم، جاءت إجابته حاسمة:
“كل شيء. كل شيء أصبح غير موجود.“
وتعكس إجابته مدى حدة التراجع الذي يلمسه في الدعم والفرص المتاحة. ويشير بصورة خاصة إلى المخاوف المتعلقة بالحماية والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي والاحتياجات الأساسية والوصول إلى سبل كسب العيش. كما يثير مسألة معايير الأهلية المرتبطة بالعمر، والتي يمكن، وفق تجربته، أن تحد من وصول بعض اللاجئين إلى فرص معينة لكسب العيش أو العمل، رغم استمرار قدرتهم ورغبتهم في العمل.
إلا أن جانبًا أساسيًا من شهادته يتعلق بالمعلومات والتواصل.
ويصف محمد كيف يتوجه اللاجئون إلى المتطوعين المجتمعيين بأسئلة حول تسجيلهم لدى المفوضية، متوقعين الحصول على إجابات أو حلول. إلا أن المتطوعين لا يستطيعون في كثير من الأحيان تقديم إجابات، لأنهم لا يمكن أن يتحدثوا باسم المفوضية أو الحكومة من دون التحقق من المعلومات أولًا. كما يتحدث بصراحة عن العبء النفسي الذي يضعه ذلك على المتطوعين أنفسهم.
وخلال اجتماع حدث مؤخرا مع ممثلين عن المفوضية، يقول إن المتطوعين المجتمعيين طلبوا مزيدًا من التوضيح بشأن التطورات الأخيرة المتعلقة بتصاريح العمل، ومعايير الأهلية، ووثائق اللجوء، وما قد يترتب عليها بالنسبة للاجئين. كما اقترحوا توفير مزيد من الفرص التي تتيح للاجئين التواصل المباشر مع ممثلي المفوضية.
وبالنسبة لمحمد، فإن هذا التواصل المباشر مهم:
“نأمل أن تصل أصواتنا إلى من يستطيعون توحيد جهود الدعم بشكل عام.“
ويشير أيضًا إلى الأهمية المتزايدة التي يوليها المانحون للاستماع مباشرة إلى اللاجئين، إلى جانب المعلومات التي تقدمها المنظمات المنفذة. وتأتي رسالته الأخيرة بالوضوح ذاته:
“نأمل ممن يقرأ هذا المقال أن ينظر إلينا بعين إنسانية. ونأمل أن يُنظر إلى اللاجئ لا بوصفه لاجئًا، بل إنسانًا، بغض النظر عن العِرق أو التوجه أو الجنسية أو الفئة.“
هدير: “أن أتمكن من العودة إلى الوطن“
هدير عراقية تعمل في القطاع الإنساني منذ عام 2016، بما في ذلك عملها مع منظمة دولية معنية باللاجئين، حيث ساهمت في دعم مجتمعات اللاجئين من خلال برامج إنسانية.
وتركز شهادتها على عائق محدد أمام الاعتماد على الذات. وانطلاقًا من المخاوف التي أثارها محمد بشأن التصنيفات العمرية، تتساءل هدير بدورها عن معايير الأهلية المرتبطة بالعمر، والتي تقول إنها قد تستبعد بعض اللاجئين في سن العمل من فرص معينة، رغم استعدادهم وقدرتهم على العمل وإعالة أسرهم.
وتتساءل كيف يمكن حرمان أشخاص ما زالوا قادرين على العمل ودعم أسرهم من الفرص التي تتيح لهم القيام بذلك. ومن وجهة نظرها، تخلق هذه التصنيفات عوائق غير ضرورية أمام اللاجئين الذين يحاولون الاعتماد على أنفسهم وإعادة بناء حياتهم.
لكن عندما ينتقل الحديث من التحديات الآنية إلى ما تتمناه للمستقبل، تختصر هدير إجابتها في كلمات قليلة:
“أن أتمكن من العودة إلى الوطن.“
بيان: عندما لا يعني الوصول إلى العمل الحصول على عمل عادل
وصلت بيان إلى الأردن من سوريا عام 2014. وتشمل خبرتها في العمل الإنساني دعم الأطفال غير المصحوبين بذويهم والأطفال الأكثر عرضة للمخاطر مع منظمة دولية أخرى معنية باللاجئين، إلى جانب تقديم برامج المهارات الحياتية وبناء القدرات للبالغين.
وتنقل شهادتها النقاش إلى الظروف التي قد يواجهها اللاجئون بعد دخولهم سوق العمل:
“هناك الكثير من الظلم بحق العمال اللاجئين عمومًا، كأجور أقل.“
وتقول بيان إن اللاجئين قد لا يحصلون على أجر خلال الإجازة المرضية، وقد يتقاضون أجورًا أقل من موظفين آخرين يؤدون العمل نفسه.
كما تصف ممارسات تقول إنها لاحظتها لدى بعض أصحاب العمل، من بينها ساعات العمل الطويلة، والاقتطاع من الأجور بسبب الإجازات المرضية، والفروق في الأجور بين العمال اللاجئين والأردنيين الذين يؤدون أعمالًا مماثلة. وتسلط شهادتها الضوء على الفجوة التي قد تنشأ بين الحماية التي تكفلها تشريعات العمل وبين ما يختبره العمال فعليًا على أرض الواقع.
“يُطلب منهم العمل لساعات طويلة للغاية، وغالبًا لا يُعترف بيوم الجمعة كيوم عطلة، فيما تتحول الإجازة المرضية فعليًا إلى سبب للعقوبة.“
وعندما تُسأل بيان عن تطلعاتها للمستقبل، تأتي إجابتها مباشرة مثل إجابة هدير:
“العودة إلى الوطن، بالتأكيد.“
الاستماع إلى ما يُقال فعلًا
تسلط هذه الشهادات الأربع الضوء على قضايا مختلفة.
تتحدث سامية عن المعاملة على قدم المساواة، وعن حالة عدم الأمان المرتبطة بالحماية والعمل، وعن مساندة أشخاص لا تتوافر أمامهم بدائل كثيرة. ويشدد محمد على نقص المعلومات والحاجة إلى تواصل اللاجئين مباشرة مع الجهات التي تؤثر قراراتها في حياتهم. وتتساءل هدير عن العوائق التي تحول دون قدرة الناس على العمل والاعتماد على أنفسهم، فيما تصف بيان ظروف العمل غير المتكافئة التي قد يواجهها العمال اللاجئون في سوق العمل.
ولعل اثنتين من أقصر الإجابات في هذه الحوارات هما أيضًا من أكثرها دلالة. فعندما سُئلتا عن آمالهما، قالت هدير”أن أتمكن من العودة إلى الوطن.“ وقالت بيان “لعودة إلى الوطن، بالتأكيد.“
عبر هذه الحوارات، توضح سامية ومحمد وهدير وبيان ما يهمهم: الأمان والوضوح بشأن مستقبلهم، وفرص عادلة للعمل وإعالة أنفسهم وأسرهم، والمعاملة على قدم المساواة، وأن يكون لهم صوت مباشر في القرارات التي تؤثر في حياتهم. كما يتحدثون عن التضامن والمساهمة، وعن رغبة راسخة لدى بعضهم في العودة إلى الوطن. وتحمل تجاربهم معرفة ينبغي أن تسهم في صياغة السياسات والاستجابات، وفي تصور مستقبل أكثر عدلًا.
وتتطلب الاستجابة لهذه الأولويات أن تضطلع مختلف الجهات المعنية بأدوارها، من الحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمانحين وأصحاب العمل والمنظمات الإنسانية إلى مؤسسات المجتمع المدني. لكنها تتطلب أيضًا إشراك اللاجئين أنفسهم بصورة مباشرة في هذه النقاشات. فسامية ومحمد وهدير وبيان لا يصفون التحديات فحسب؛ بل تقدم تجاربهم معرفة بما يحتاج إلى الاهتمام، وبما يمكن تغييره.








