المدونات والمقالات

دولارٌ من أجل المستقبل: ماذا يمكن أن يتركه هذا كأس العالم للتعليم؟

بقلم جول دوبوي، متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي

في السادس عشر من حزيران/يونيو 2026، وعلى ملعب سان فرانسيسكو، سجّل علي علوان أول هدف للأردن في تاريخ مشاركاته في كأس العالم لكرة القدم. ولثوانٍ معدودة، تحوّل هذا الحدث الرياضي العالمي، في نظر الأردنيين، من مناسبة تُتابَع عن بُعد إلى تجربة يعيشونها بكل تفاصيلها. ولم يكن هذا الهدف سوى جزء من لحظة تاريخية أوسع؛ إذ شهدت البطولة، وللمرة الأولى في تاريخها، مشاركة ثماني دول عربية هي: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، والمغرب، وقطر، والسعودية، وتونس، وهو ضعف الرقم القياسي السابق. ولم يسبق أن بدا كأس العالم بهذا القدر من القرب والارتباط بالشعوب العربية.

وحملت هذه النسخة من البطولة جانباً آخر لا يقل أهمية، وإن لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به الأهداف والمباريات. فقد أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تخصيص دولار أمريكي واحد عن كل تذكرة تُباع خلال مباريات البطولة البالغ عددها 104 مباريات، والتي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لصالح الصندوق العالمي للتعليم للمواطن العالمي (FIFA Global Citizen Education Fund). ويهدف الصندوق إلى جمع 100 مليون دولار بحلول المباراة النهائية في 19 تموز/يوليو، لتوجيهها إلى برامج التعليم والرياضة المجتمعية للأطفال في المجتمعات الأقل حظاً حول العالم، مع إتاحة منح تصل إلى 250 ألف دولار للمنظمات المجتمعية.

ينتهي كأس العالم… لكن الحاجة إلى التعليم لا تنتهي

تُختتم بطولة كأس العالم في 19 تموز/يوليو، وقد عادت المنتخبات العربية بالفعل إلى بلدانها. ومن خلال توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً للمرة الأولى، نجحت البطولة في جعل كأس العالم حدثاً شعبياً أكثر قرباً من مجتمعات عربية عديدة. إلا أن البطولة لم تغيّر حقيقة أخرى أكثر إلحاحاً؛ فبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، لا يزال نحو 30 مليون طفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خارج مقاعد الدراسة، بينما يعجز ستة من كل عشرة أطفال عن قراءة نص بسيط وفهمه عند بلوغهم سن العاشرة.

ويُعد الأردن مثالاً واضحاً على هذه التحديات. فقد استوعبت المدارس الحكومية مئات الآلاف من الأطفال اللاجئين، ومع ذلك لا يزال أكثر من 112 ألف طفل خارج منظومة التعليم الأساسي، كما أن أعداداً كبيرة من اللاجئين الشباب لا يصلون إلى التعليم الثانوي، فيما يعتمد نحو نصف مليون طفل من لاجئي فلسطين في المنطقة على مدارس وكالة الأونروا، رغم التحديات المستمرة التي تواجه تمويلها.

وانطلاقاً من رؤية شمولية للتعليم، تربط النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بين فرص التعلم والحد من الفقر والحماية الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي. فمن خلال مشروع الاستثمار في المستقبل، الذي تنفذه بالشراكة مع Vision Hope International، تجمع النهضة (أرض) بين التعليم الشامل والحماية القانونية للفئات اللاجئة الأقل وصولاً إلى الخدمات والأسر الأردنية الأكثر هشاشة. أما المرحلة المطوّرة من المشروع، الاستثمار في المستقبل بالذكاء الاصطناعي، فتركّز على إعداد الشباب لسوق عمل يشهد تحولات متسارعة، في حين يعمل التحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن(نافع)، الذي تأسس عام 2017، على جمع الخبراء والمؤسسات العامة لدعم إصلاح قطاع التعليم على المستوى الوطني.

وتؤكد تجربة النهضة (أرض)، المستندة إلى حضورها الميداني في الأردن، حقيقة بسيطة مفادها أن الاستثمار في التعليم لا يقتصر على توفير فرص التعلم، بل يعني تهيئة الظروف اللازمة لإحداث تحول اجتماعي طويل الأمد. وربما لا يوجد مثال أوضح على ذلك من كرة القدم نفسها؛ فالنجاح في الملاعب هو ثمرة استثمار متواصل في تنمية المواهب الشابة. ويُعد الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 خير دليل، إذ أسهمت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي افتُتحت قرب الرباط عام 2009، في إعداد عدد من اللاعبين الذين صنعوا ذلك الإنجاز، من بينهم يوسف النصيري وعز الدين أوناحي.

من لحظة عابرة إلى نموذج قابل للتطبيق

سيُخصص دولار أمريكي واحد عن كل تذكرة تُباع خلال البطولة لصالح الصندوق العالمي للتعليم للمواطن العالمي. وقد يبدو هذا المبلغ متواضعاً مقارنة بأسعار بعض تذاكر المباريات أو بالإيرادات الضخمة التي يحققها كأس العالم. وكما هو الحال مع أي صندوق عالمي يُعلن عنه في مناسبة كبرى، فإن وصول أثره إلى الصفوف الدراسية والأطفال المستفيدين يحتاج إلى وقت.

ومع ذلك، فإن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في حجم التمويل الذي قد تجمعه، بل في الفكرة التي تقوم عليها. فمبدأ اقتطاع نسبة تضامنية من قيمة التذاكر ليس جديداً، لكن اللافت هو إدماجه في صميم حدث جماهيري عالمي بهذا الحجم. ولأن هذا النموذج أثبت نجاحه في سياقات أخرى، فإنه يستحق اهتمام منطقتنا، حيث لا تزال الاحتياجات التعليمية كبيرة، وفي الوقت نفسه تمتلك المجتمعات قدرة واسعة على التعبئة والتضامن. وخارج إطار كرة القدم، تزخر الساحة الثقافية العربية بفرص مماثلة.

للعالم العربي أيضاً مواسمه الجماهيرية الكبرى

في كل صيف، وبين الأعمدة الرومانية لإحدى أبرز المدن الأثرية في بلاد الشام، يتحول مهرجان جرش للثقافة والفنون إلى منصة نابضة بالحياة، تستقطب مئات الفنانين وجمهوراً واسعاً من داخل الأردن وخارجه. ويُقام المهرجان برعاية ملكية خلال أواخر تموز/يوليو وأوائل آب/أغسطس، وقد ضمت دورته التاسعة والثلاثون أكثر من 235 فعالية فنية وثقافية وأدبية، شملت حفلات لكبار الفنانين الأردنيين والعرب، وعروضاً مسرحية، وأمسيات شعرية، بمشاركة ممثلين عن 37 دولة، فيما يستقطب كل عام نحو 150 ألف زائر.

وفي الجنوب، باتت المواسم والمهرجانات الثقافية في المملكة العربية السعودية تجذب ملايين الزوار. فقد استقطب موسم الرياض وحده أكثر من 16 مليون زائر في نسخة عام 2024، وفقاً للهيئة العامة للترفيه، بينما تجاوز إجمالي حضور الفعاليات الترفيهية في المملكة 75 مليون زائر خلال السنوات الخمس الماضية. ومن كأس العرب، إلى المهرجانات السينمائية، ومعارض الكتب في القاهرة والشارقة، والحفلات الموسيقية التي تملأ مدرجات قرطاج وبعلبك، يشهد العالم العربي رزنامة ثقافية غنية ومتنامية، تحظى بإقبال جماهيري واسع.

وتشترك هذه الفعاليات جميعها في عنصر أساسي يتمثل في قدرتها على جمع الناس حول الاحتفاء والثقافة والانتماء المشترك، وهو ما يشكل أساساً طبيعياً لأي آلية تضامن مجتمعي. فإضافة مساهمة رمزية إلى قيمة كل تذكرة، سواء كانت ديناراً أو ريالاً أو درهماً، وتوجيهها بشفافية إلى برامج تعليمية تستهدف الأطفال والشباب الأكثر هشاشة في المنطقة، يمكن أن يمنح هذه الفعاليات بعداً تنموياً ملموساً. بل إن كثيراً من الحضور قد يشعرون بارتياح أكبر عندما يعلمون أن جزءاً من ثمن تذكرتهم يسهم في غاية تتجاوز حدود العرض الفني أو الرياضي نفسه.

وربما تمتلك منطقتنا ميزة إضافية مقارنة بمبادرة كأس العالم. فالدولار الذي يُقتطع من تذكرة بيعت في أمريكا الشمالية يحتاج إلى عبور القارات والمؤسسات قبل أن يصل إلى مدرسة أو برنامج تعليمي. أما مساهمة المتفرج الذي يغادر مهرجان جرش، أو أي مهرجان آخر في المنطقة، فلن تحتاج إلا إلى مسافة قصيرة لتصل مباشرة إلى مدرسة، أو مبادرة تعليمية، أو برنامج يدعم الأطفال والشباب الأكثر حاجة.

وهذه المسافة القصيرة هي ما يحوّل الفعالية الثقافية إلى فعل تضامن حقيقي، ويجعل الثقافة تستثمر في الأجيال التي سترثها. فأن تُسهم الثقافة في دعم التعليم من خلال الثقافة نفسها، ربما يكون أحد أكثر التطبيقات وفاءً لمبادئ النهضة وترجمتها إلى واقع عملي.