في النقاشات العامة حول أنظمة التقاعد في المنطقة العربية، غالباً ما يتم تناول الموضوع من زاوية الاستدامة المالية فقط: عجز الصناديق، ارتفاع متوسط العمر، وضغط النفقات العامة. غير أن هذا الإطار، على أهميته، يغفل سؤالاً أكثر عمقاً يرتبط بالعدالة الاجتماعية بين الجنسين:
هل أن تصميم أنظمة التقاعد الحالية يعكس فعلاً واقع حياة النساء ومساراتهن المهنية والاجتماعية؟
إن طرح خيار التقاعد عند سن 55 للنساء لا ينبغي أن يُفهم كدعوة للانسحاب من سوق العمل، بل كمقاربة تعترف بالاختلاف البنيوي في مسارات الحياة بين الرجال والنساء، وبالتراكم غير المرئي للأعباء التي تتحملها النساء عبر العقود.
لذلك تشير الأدبيات البحثية في الصحة المهنية وعلم الاجتماع الاقتصادي وسياسات الحماية الاجتماعية إلى أن جعل التقاعد عند سن 55 (أو التقاعد المرن ابتداءً من هذا العمر) خياراً متاحاً للنساء وليس قاعدة إلزامية—يمكن أن يكون جزءاً من تصميمٍ أكثر عدالة وحساسية لمساراتهن الحياتية. ويستند هذا الطرح إلى مجموعة من الاعتبارات المتداخلة:
- اعتبار صحي–نفسي: تخفيف الضغط المزمن والإرهاق التراكمي بعد عقود من الجمع بين العمل المدفوع وأدوار الرعاية غير المدفوعة، بما ينعكس على جودة الحياة والوقاية الصحية في مرحلة منتصف العمر.
- اعتبار اقتصادي–مهني: فتح المجال لانتقال من “وظيفة بدوام كامل” إلى أشكال عمل أكثر مرونة وإنتاجية مناسبة للمرحلة (استشارات، عمل مجتمعي، ريادة صغيرة)، بدل الخروج المفاجئ من المجال العام.
- اعتبار أسري–رعائي: دعم القدرة على تقديم الرعاية للأبوين المسنين أو أفراد الأسرة الذين تتزايد احتياجاتهم في هذه المرحلة، دون أن تتحول الرعاية إلى عبء غير مُعترف به سياسياً أو اقتصادياً
- اعتبارات سوق العمل: الإسهام في إعادة توزيع الفرص داخل أسواق تعاني من بطالة شبابية مرتفعة، عبر حلول تدريجية (تقاعد جزئي/تقليل ساعات) بدلاً من مفاضلة صفرية بين الأجيال.
ولفهم هذه الاعتبارات ضمن إطار تفسيري متماسك، تستند الأدبيات إلى عدة مقاربات نظرية تساعد على قراءة “التقاعد المبكر” بوصفه انتقالاً في دورة الحياة وليس “انسحاباً” من الإنتاجية. ومن أبرزها:
أولاً: منظور دورة الحياة – قراءة في التراكم غير المرئي
تؤكد نظرية دورة الحياة (Life Course Theory) أن القرارات الكبرى في منتصف العمر ليست معزولة عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي سبقها. فالمرأة في المنطقة العربية غالباً ما تبدأ حياتها المهنية في ظل توقعات أسرية مرتفعة، ثم تدخل مرحلة الأمومة والرعاية، دون أن يُعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة بشكل عادل.
وتُظهر بيانات منظمة العمل الدولية أن النساء يقمن بثلاثة أضعاف العمل غير المدفوع مقارنة بالرجال، ويشمل ذلك رعاية الأطفال، والوالدين المسنين، وإدارة شؤون المنزل. هذا العمل غير المرئي لا يُحتسب في حسابات الناتج المحلي، ولا في احتساب سنوات الخدمة التقاعدية، لكنه يستنزف رأس المال الصحي والنفسي للمرأة.
وعند الوصول إلى منتصف الخمسينيات، لا تكون المرأة قد أمضت “30 عاماً من العمل” فقط، بل 30 عاماً من العمل المزدوج.
ثانياً: الصحة في منتصف العمر – بُعد مُغفل في السياسات العامة
تتزامن سن 55 تقريباً مع مرحلة انتقالية بيولوجية مهمة في حياة المرأة، وهي مرحلة ما قبل وبعد انقطاع الطمث. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه المرحلة قد ترتبط بارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم، وزيادة مخاطر أمراض القلب في ظل الضغط المزمن.
كما توضح الدراسات في الصحة المهنية أن التعرض طويل الأمد للضغط المرتبط بالعمل يزيد من احتمالية الإرهاق (Burnout) والاكتئاب، خصوصاً لدى النساء اللواتي يتحملن أعباء رعائية إضافية.
ومن ثم، فإن تخفيف الضغط المهني في هذه المرحلة قد لا يكون ترفاً، بل استثماراً في الصحة العامة، وإسهاماً في تقليل كلفة العلاج والرعاية الصحية لاحقاً.
ثالثاً: إعادة تعريف الإنتاجية – من الوظيفة إلى الرسالة
توضح نظرية الانتقائية الاجتماعية–العاطفية (Laura Carstensen) أن الأفراد مع تقدمهم في العمر يعيدون ترتيب أولوياتهم من التركيز على الإنجاز المؤسسي طويل المدى إلى التركيز على المعنى والعلاقات وجودة الحياة.
ولا يعني هذا التحول انخفاض الإنتاجية، بل يشير إلى تغير في شكلها ومساراتها. فكثير من النساء في هذه المرحلة ينتقلن إلى أدوار استشارية، تطوعية، أو مجتمعية، أو يؤسسن مبادرات صغيرة قائمة على الخبرة المتراكمة.
وبالتالي، فإن التقاعد عند 55 لا ينبغي أن يُفهم كخروج من المجال العام، بل كتحول في طبيعة المشاركة الاجتماعية والاقتصادية.
رابعاً: العدالة الاجتماعية بين الجنسين وأنظمة الضمان الاجتماعي
أنظمة التقاعد في معظم الدول العربية صُممت تاريخياً على نموذج “المعيل الذكر”، حيث يُفترض أن المسار المهني مستمر وخالٍ من الانقطاعات. غير أن مسار النساء غالباً ما يتضمن فترات انقطاع بسبب الأمومة أو الرعاية.
ونتيجة لذلك، تحصل كثير من النساء على معاشات أقل، رغم مساهمتهن المجتمعية الأكبر. ومن منظور العدالة الاجتماعية بين الجنسين، يصبح من المشروع التفكير في سياسات تعترف بهذه الفجوة البنيوية، مثل:
- احتساب فترات الرعاية ضمن سنوات الخدمة.
• إتاحة تقاعد مرن دون عقوبات قاسية.
• توفير برامج انتقال مهني بعد سن 55.
خامساً: البعد الاقتصادي الكلي – بين الاستدامة والمرونة
لا يمكن تجاهل البعد المالي. فصناديق الضمان الاجتماعي في عدد من الدول العربية تواجه تحديات استدامة حقيقية. غير أن الحل لا يكمن في رفع سن التقاعد بشكل موحد دون مراعاة الفوارق بين الجنسين.
والنهج الأكثر توازناً يتمثل في:
- اعتماد نماذج تقاعد تدريجي (Partial Retirement).
• السماح بخفض ساعات العمل قبل التقاعد الكامل.
• تقديم حوافز للادخار التقاعدي الطوعي للنساء منذ سن مبكرة.
وبهذه الطريقة، يمكن الجمع بين حماية الاستدامة المالية واحترام خصوصية المسار النسوي في سوق العمل.
سادساً: من الحماية إلى التمكين
إن جوهر النقاش لا يتعلق بإعفاء النساء من العمل، بل بتمكينهن من اختيار توقيت وشكل انتقالهن من العمل الرسمي إلى مرحلة أكثر مرونة.
فـالسياسات المراعية للفروقات بين الجنسين لا تعني تمييزاً إيجابياً عاطفياً، بل تصحيحاً لاختلالات تاريخية في تصميم النظم الاقتصادية. وعندما تمنح الدولة المرأة خيار التقاعد عند 55 ضمن إطار آمن ومستدام، فهي لا تقلل من قيمتها الإنتاجية، بل تعترف بأن الكرامة الاقتصادية تشمل الحق في إدارة الزمن الشخصي بعد عقود من العطاء المركّب.
وعليه، فإن التقاعد المبكر للنساء عند سن 55 ليس وصفة جاهزة، ولا ينبغي فرضه كنموذج عام. لكنه يستحق أن يُناقش بوصفه خياراً سياسياً مشروعاً ضمن حزمة إصلاحات أوسع تعزز العدالة الاجتماعية بين الجنسين، والصحة العامة، والاستقرار الأسري.
السؤال الحقيقي ليس:
“هل يجب أن تتقاعد المرأة مبكراً؟”
بل:
“هل صُممت أنظمتنا الاقتصادية أصلاً لتأخذ في الاعتبار مسار حياتها كما هو، لا كما نتخيله؟”
التحديات في السياق العربي
- ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية في بعض الدول.
- فجوة الأجور بين الجنسين.
- هشاشة أو غياب خطط ادخار تقاعدية كافية للنساء.
- ضغط اجتماعي يربط قيمة المرأة باستمرارها في العطاء.
توصيات سياساتية للحكومات العربية
- اعتماد نماذج تقاعد مرنة (Flexible Retirement) تسمح بخيارات تقاعد تدريجي بين 55–60 عاماً مع تخفيض نسبي في المعاش بدلاً من منع التقاعد المبكر بالكامل.
- احتساب سنوات الرعاية ضمن الخدمة، عبر إدراج فترات العمل الرعائي غير المدفوع ضمن حسابات الضمان الاجتماعي، كما تفعل بعض الدول الأوروبية.
- برامج انتقال مهني بعد 55، من خلال إنشاء برامج لإعادة التأهيل نحو الاستشارات، الحوكمة المجتمعية، أو ريادة الأعمال الصغيرة.
- حوافز صحية، عبر دمج برامج الصحة الوقائية للنساء في منتصف العمر ضمن سياسات الضمان الاجتماعي.
- تمكين مالي مبكر، من خلال تعزيز برامج الادخار التقاعدي الطوعي للنساء منذ سن مبكرة لتجنب هشاشة الدخل لاحقاً.
اعتبارات مالية
أي خفض أو زيادة لسن التقاعد يجب أن يُوازن مع:
- استدامة صناديق الضمان الاجتماعي.
• هيكل الأعمار السكاني في كل دولة.
• نسب المشاركة النسائية الفعلية في سوق العمل.
لذا، الحل ليس في فرض تقاعد مبكر إجباري، بل في توفير خيار مدروس قائم على العدالة الاجتماعية بين الجنسين والصحة العامة.









