كلاس ياكوب فيليم هوغربروغه – متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي
شكّلت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة اختبارًا حاسمًا لقدرة التعددية على الاستمرار والفاعلية في عالم تتعمق فيه الانقسامات الجيوسياسية، وتتواصل النزاعات، وتتسارع المخاطر العابرة للحدود. وقد كشفت الدورة عن تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، بالتوازي مع محاولات لإعادة ترسيخ نظام دولي قائم على القواعد والقانون الدولي. ولم يكن التحدي الأكبر أمام التعددية رفض القانون الدولي صراحة، بقدر ما تمثّل في انتقائية تطبيقه، وهي إشكالية تتجلى بوضوح خاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
افتُتحت الدورة في 8 أيلول/سبتمبر 2026 تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، في إقرار واضح بتراجع الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف بفعل الحروب والأزمات الإنسانية وتغير المناخ والتحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. وأكد رئيس الجمعية العامة المنتخب، خليل الرحمن من بنغلاديش، ضرورة تعزيز قدرة الأمم المتحدة على التكيف والإصلاح وتحقيق نتائج ملموسة.
وتتجلى أزمة التعددية أيضًا داخل الأمم المتحدة نفسها، في ظل الضغوط المالية وتأخر الدول الأعضاء في سداد مساهماتها، واستمرار شلل مجلس الأمن، وتصاعد التساؤلات بشأن قدرة المنظمة على الوفاء بمسؤولياتها. ومع أزمة السيولة وتراكم الالتزامات المالية، باتت الفجوة أكثر وضوحًا بين حجم المهام الملقاة على الأمم المتحدة وإمكاناتها الفعلية لتنفيذها.
وكما عبّر رئيس الجمعية العامة، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الأمم المتحدة موجودة، بل ما إذا كانت قادرة على أداء دورها بفاعلية. ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية مع اقتراب مرحلة انتقالية مؤسسية، تشمل اختيار خلف للأمين العام أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026.
تآكل التعددية
أظهرت الدورة الحادية والثمانون أن ركائز النظام متعدد الأطراف، مثل المساواة في السيادة، وسلامة الأراضي، وحظر استخدام القوة، وحقوق الإنسان، ومؤسسات القانون الدولي، لا تزال قائمة من حيث المبدأ، لكنها تتعرض لضغوط متزايدة في الممارسة.
وقد هيمنت على مداولات الجمعية العامة مجموعة من الأزمات الممتدة والمتشابكة، في مقدمتها الحرب على غزة والتطورات في الضفة الغربية والقضية الفلسطينية عمومًا، والحرب الروسية على أوكرانيا، والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، فضلًا عن حوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية.
تستند الدول جميعها تقريبًا إلى القانون الدولي في خطابها، لكن الالتزام به يتراجع حين يتعارض مع المصالح الوطنية. ففي القضية الفلسطينية، أوضحت قرارات مجلس الأمن وأحكام وفتاوى محكمة العدل الدولية التبعات القانونية للاحتلال والاستيطان وسياسات أخرى، إلا أن الإنفاذ الفعلي لا يزال محدودًا. في المقابل، شهد الغزو الروسي لأوكرانيا فرض عقوبات سريعة وإجراءات أخرى قُدمت صراحة باعتبارها ردًا على انتهاك ميثاق الأمم المتحدة.
وهذا التفاوت ليس سياسيًا فحسب، بل يمس بنية النظام الدولي ذاته. فعندما تُطبق القواعد بحزم على بعض الانتهاكات، فيما تُهمَل أو تُضعف في حالات أخرى، يصبح القانون الدولي عرضة لأن يتحول من مرجعية عالمية إلى أداة محكومة بموازين الاصطفاف الجيوسياسي. وقد تكون الانتقائية في الإنفاذ أكثر ضررًا من الرفض الصريح للقانون، لأنها تقوض الثقة بكونه معيارًا محايدًا يسري على الجميع.
ومن منظور المنطقة العربية، تبدو هذه المفارقة أكثر حدة. فاستمرار الاحتلال والحصار والتهجير القسري وغيرها من الانتهاكات يكشف الفجوة بين المبادئ التي يُعاد تأكيدها في نيويورك وبين غياب إنفاذها على الأرض. وحين يُستدعى حكم القانون من دون تطبيق متسق، تصبح التعددية نفسها عرضة للتحول إلى خطاب سياسي أكثر منها إطارًا للمساءلة.
في الوقت نفسه، تتعرض منظومة المساءلة لضغوط إضافية، من بينها محاولات تقويض شرعية المحكمة الجنائية الدولية أو ثني الدول عن التعاون معها، إلى جانب التهديد بالانسحاب من مؤسسات واتفاقيات دولية، ونقص التمويل، وتأخر المساهمات المالية.
وتبقى تجربة عصبة الأمم ذات دلالة. فهي لم تنهَر في لحظة واحدة، بل تآكلت تدريجيًا بفعل الانسحابات والاستثناءات والتسامح مع الانتهاكات. والخطر اليوم ليس أن تصبح الأمم المتحدة خالية من أعضائها، بل أن تبقى قاعاتها مكتظة فيما تتراجع قدرتها على التأثير والإنفاذ.
قوى تدعم التعددية وتجددها
على الرغم من هذه التحديات، أظهرت الدورة أيضًا وجود قوى لا تزال قادرة على حماية التعددية ودفعها نحو التجدد.
ففي 21 أيلول/سبتمبر 2026، وعلى هامش أعمال الجمعية العامة، أطلق الاتحاد الأوروبي وأستراليا وبربادوس والبرازيل وكندا والهند وكينيا مبادرة «شركاء من أجل التعددية» (P4M)، التي تجمع دولًا ملتزمة بالسلام والاستقرار والتنمية الشاملة والمستدامة والازدهار المشترك والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، وتسعى إلى حماية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ودعم إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف وتحديثها لتصبح أكثر تمثيلًا وفاعلية وثقة.
وتكمن أهمية المبادرة في طابعها العالمي والعابر للأقاليم؛ فهي تقدم التعددية باعتبارها بنية مشتركة لحماية القانون الدولي والسلام والازدهار، لا مشروعًا غربيًا أو إقليميًا. وسيعتمد أثرها الحقيقي على قدرتها على تحويل الالتزامات السياسية إلى عمل جماعي منسق.
كما تمنح العضوية شبه العالمية للأمم المتحدة وشبكتها المؤسسية الواسعة النظام الدولي قدرًا مهمًا من الصمود. فالوكالات والبرامج الأممية حاضرة يوميًا في مجالات الصحة والأمن الغذائي وحماية اللاجئين والتنمية والعمل الإنساني، وهي بنية لا تحل جميع الأزمات، لكنها تبقى أساسًا لا غنى عنه للعمل الجماعي.
وتؤكد دورة هذا العام أن الشرعية لم تعد تستند إلى التاريخ أو الإطار القانوني وحدهما، بل إلى القدرة على تحقيق نتائج ملموسة. فإذا استطاعت المؤسسات متعددة الأطراف الحد من المعاناة، وإدارة المخاطر المشتركة، وتوسيع فرص الوصول العادل إلى التنمية والعدالة، يصبح استعادة الثقة ممكنًا. كما أن تحديات مثل تغير المناخ والذكاء الاصطناعي والأوبئة وعدم الاستقرار المالي تجعل التعاون ضرورة لا خيارًا.
وأظهرت الجمعية العامة كذلك أن الدبلوماسية تبقى ممكنة حتى في أوقات التوتر الحاد، وأن المنابر متعددة الأطراف لا تزال توفر مساحة ضرورية للحوار وخفض التصعيد.
وتقدم مواقف دول المنطقة، ومنها الأردن، نموذجًا للدبلوماسية القائمة على القواعد في ظروف بالغة التعقيد. فقد حافظ الأردن على اتفاقيات السلام والشراكات الاستراتيجية، بالتوازي مع استخدام خطاب قانوني واضح في توصيف انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية ومتعددة الأطراف بدلًا من اللجوء إلى التصعيد الأحادي.
وتؤكد هذه المقاربة أن اختيار القانون بدل القوة ليس ضعفًا، بل مصدرًا للقوة، وأن الدول قادرة على حماية مصالحها وأمنها من خلال التمسك بالمعايير الدولية والمطالبة بتطبيقها.
لماذا تهم الدورة الـ81 المنطقة العربية؟
تكتسب هذه الدورة أهمية خاصة للمنطقة العربية، في وقت تتشابك فيه المخاطر العالمية بصورة غير مسبوقة، وتصبح شرعية المؤسسات الدولية أكثر ارتباطًا بقدرتها على تحقيق نتائج فعلية. فقد تأثرت أزمات فلسطين وسوريا واليمن وليبيا وغيرها بقرارات الأمم المتحدة ووساطاتها وعملياتها الإنسانية، إلا أن النتائج غالبًا ما ظلت دون التوقعات، بما عمّق الشكوك في قدرة المنظمة على تنفيذ قراراتها، حتى مع إدراكها حجم التدهور القائم.
ويبقى السؤال المحوري: هل ستُستخدم التعددية لمعالجة الانتهاكات الممتدة ووضع حد لها، أم ستقتصر على إدارتها من دون حلول حقيقية؟
مع ذلك، فإن التخلي عن حكم القانون ستكون له عواقب كارثية. فبالنسبة إلى شعوب المنطقة، يظل القانون الدولي، رغم محدودية إنفاذه، من الأدوات الأساسية المتاحة لتوثيق الانتهاكات والمطالبة بالمساءلة والحفاظ على مساحات الدبلوماسية والدفاع عن الحقوق في مواجهة منطق القوة.
ومن هنا، فإن احترام القانون الدولي ليس خيارًا تقنيًا، بل بوصلة سياسية وأخلاقية للمستقبل، وأساسًا لعلاقات أكثر عدالة داخل المنطقة وبينها وبين العالم.
كما تنسجم قيم احترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والحل السلمي للنزاعات، التي أكد عليها الأردن خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، مع القيم التي تسعى منظمة النهضة العربية إلى ترجمتها إلى واقع ملموس في حياة الناس.
تراجع أم سقوط أم تجدد؟
لا تقدم الدورة الحادية والثمانون حكمًا نهائيًا بشأن مستقبل التعددية. فهي تكشف تراجعًا واضحًا في الثقة، واتساعًا في الانتقائية بتطبيق القانون، وتحديات هيكلية تمتد من شلل مجلس الأمن إلى الضغوط المالية. وفي المقابل، تبرز مبادرات مثل «شركاء من أجل التعددية»، ومسار إصلاح الأمم المتحدة، وتجدد الدعوات إلى الفاعلية والتعاون الدولي، بوصفها فرصًا لإعادة بناء نظام أكثر اتساقًا وفاعلية.
يضعف القانون الدولي كلما توقفت الدول عن المطالبة بتطبيقه. والتعددية لا تعتمد على المؤسسات وحدها، بل أيضًا على الحكومات والمنظمات والأفراد الذين يواصلون الدفاع عن عالمية القانون وضرورة احترامه.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن الخيار واضح: إما السماح للنظام الدولي بالتآكل تحت وطأة الانتهاكات التي تمر بلا مساءلة والوعود غير المنجزة، أو استثمار هذه اللحظة لإعادة الالتزام بالتطبيق المتساوي للقانون، والإنفاذ الفعلي، والإصلاح المؤسسي الحقيقي.
ونرى أنه علينا تبني المسار الثاني. لقد تجاهلت عصبة الأمم مؤشرات تراجعها حتى فات الأوان؛ وعلى الأمم المتحدة ألا تتجاهل الإشارات القائمة اليوم. فمستقبل التعددية لن تحدده مجرد استمرارية الأمم المتحدة، بل مدى استعداد الدول لتطبيق قواعدها باتساق، والدفاع عنها جماعيًا، وتحويلها إلى حماية وحقوق ونتائج ملموسة للناس الذين تتوقف حياتهم ومستقبلهم عليها.



