السيد ولد اباه
رغم أن المفكر المصري الراحل عباس محمود العقاد (توفي سنة 1964) لم يخصص أيًّا من أعماله الغزيرة لعلم الكلام، إلا أنه نشر ثلاثة كتب أساسية في فلسفة الاعتقاد الإسلامي، هي: «الله» و«الفلسفة القرآنية» (صدرا سنة 1947)، و«التفكير فريضة إسلامية» (صدر سنة 1962).
في الكتب الثلاثة، يسلك العقاد نهجًا فكريًا خاصًا به، يقوم على تمجيد العقل والدفاع عن قيم التنوير والحداثة التي يعتبرها من مقومات الاعتقاد الإسلامي، بما حدا بالبعض إلى اعتباره «معتزليًا جديدًا»، وإن كانت هذه الصفة لا تنطبق عليه.
في كتاب «الله»، يعالج العقاد «نشأة العقيدة الإلهية»، وهو في حقيقته نمط من الإثنوغرافيا الدينية، يبحث في معتقدات الأقدمين من شعوب يسميها هو نفسه بالبدائية (وإن كانت العبارة لم تعد تُستخدم في الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة)، ومن فلاسفة ومذاهب دينية، مع التعرض للآراء الفلسفية والعلمية الراهنة في زمانه.
تكمن أهمية الكتاب في كونه من الأعمال الأولى التي ناقشت نظرية الدين لدى الفلاسفة الوضعيين وأصحاب النزعة التطورية، مثل هربرت سبنسر الذي حاول ضبط قانون تاريخي للاعتقاد الديني (الدين بوصفه نسقًا اجتماعيًا متحولًا)، ولدى مدرسة التحليل النفسي، وبصفة خاصة فرويد في كتابه الشهير «مستقبل وهم»، الذي يفسر فيه الظاهرة الدينية من حيث كونها نتاجًا للرغبات البشرية غير الواعية.
في هذا الكتاب، يرجع العقاد إلى نظرية الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في تفسيره لأصول الدين من خلال عاملين أساسيين، هما: الحالة الاجتماعية الناتجة عن حاجة الفرد والجماعة إلى الحفاظ على النفس، والتجربة الروحية الحية القائمة على الحب والدفعة الحيوية.
من هذا الاستعراض الواسع، يستنتج العقاد أن الدين يدخل في صلب علاقة الإنسان بالكون، فالديانات «في كل قبيل تترجم هذا الوعي الكوني منذ القدم وتمثله بما تشاء من الرموز والعبارات، وهذا عدا الآحاد الممتازين الذين يبلغ فيهم هذا الوعي أقصاه».
ومع أن الشعور الديني ملازم للإنسان ولا يمكنه الانفكاك منه، إلا أن العقاد يقف عند «أطوار العقيدة الإلهية»، من طور التعددية إلى طور التوحيد الذي يصل مداه في الأديان الكتابية، مستعرضًا الديانات الشرقية والفلسفات اليونانية، ومخصصًا حيزًا للمسيحية، قبل أن يتناول الاعتقاد الإسلامي الذي يتميز، بحسب عباراته، بتلخيص «الفكرة الإلهية» من موروث «الديانات الغابرة».
في الاعتقاد الإسلامي، تأليف جامع بين صفات القوة والقدرة من جهة، وصفات الرحمة والمحبة من جهة أخرى، وفيه تأكيد على فكرة الخلق، على عكس التصور الأرسطي الذي يفصل الإله عن العالم.
في كتاب «الفلسفة القرآنية»، يستكمل العقاد عرض الاعتقاد الإسلامي، مبرزًا، على وجه الخصوص، مركزية التصور السببي للطبيعة (أي اقتران الحوادث بالأسباب)، والمضمون الأخلاقي الجذري للتشريعات الإسلامية، ومحورية العدل والمساواة في نظام الحكم الإسلامي وآثاره الاجتماعية. كما يعالج في الكتاب نفسه منظور الإسلام للمرأة والزواج والميراث، من منطلق قيم المساواة والتكافل. ويتناول كذلك العلاقات الدولية القائمة على «العهود والوفاء بها وخلوص النية في الالتزام بها»، فضلًا عن نظام العقوبة في الإسلام، الذي يرى أنه راعى ضوابط الرفق والواقعية، بما يجعله صالحًا للزمن الحاضر.
في الكتاب ذاته، يتعرض المؤلف لموضوعات شتى، مثل التصوف والروح والقدر والفرائض والعبادات والحياة الأخرى، مستنتجًا من هذه المباحث أن الفلسفة القرآنية تدور كلها حول العقل والضمير، وتشكل فيها العقيدة المتوازنة بين الروح والمادة حجر الزاوية.
في كتاب «التفكير فريضة إسلامية»، الذي يُعد من أعماله الأخيرة، مزيد من الدفاع عن النزعة العقلانية في الإسلام، من منظور تعددي يشمل الجوانب النفسانية والمعرفية والاجتماعية والأخلاقية، مستنتجًا أن «فريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها، فهو يخاطب العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضًا مقتضبًا، بل يذكره مقصودًا مفصلًا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان».
في الكتاب، يتناول العقاد مظاهر الحياة العقلية في الإسلام، من منطق وتصوف وعلم ومذاهب اجتماعية وأعراف وعادات، منتهيًا إلى أن التفكير العقلاني الحر فريضة إسلامية، تتأكد في الوقت الحالي مع الثورة العلمية الفلسفية الكبرى التي تعرفها البشرية منذ القرن السابع عشر الميلادي.
ليس العقاد متكلمًا على غرار أئمة الكلام السابقين، ولم يسعَ إلى تجديد علم الكلام أو بناء فلسفة جديدة للدين، رغم اطلاعه الجيد على كتابات وأعمال الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس في عصره.
لقد اعتبر أن المباحث الكلامية الكلاسيكية لا يمكن أن تكون فاعلة وناجعة في الأزمنة الراهنة، لكونها تستخدم مناهج وآليات متجاوزة. وهو في هذا يبدو متأثرًا بالنزعة التنويرية الحداثية، لكنه في الوقت نفسه يرى أن التقليد الإسلامي قادر على استيعاب قيم ومفاهيم العقلانية الحديثة ومُثل التنوير والحداثة.
العقلانية، كما يتصورها العقاد، ليست العقلانية اللاهوتية المرتبطة بتأويل الصفات كما لدى المعتزلة، ولا هي العقلانية الأخلاقية التي تبنوها في مذهبهم في خلق الأفعال، بل هي عقلانية عملية واقعية واجتماعية، تتجلى أساسًا في المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية.
ومع أن العقاد يستعرض في كتبه النظريات المعاصرة في الاجتماع والنفس، والتصورات الوضعية والفلسفات الاجتماعية، إلا أنه يدافع عن المعتقدات الإسلامية، باعتبارها لا تدخل في مجال الغيبيات الميتافيزيقية، بل تنغرس في واقع الناس وتحمل همومهم وتطلعاتهم.
ومن الواضح أن العقاد ابتعد عن نهجين سائدين في عصره، هما: النزعة الأيديولوجية في مقاربة الدين، والنزعة التنويرية الوضعية ذات الشحنة التاريخانية، التي تنظر إلى الظاهرة الدينية من حيث سياقاتها الظرفية المحددة، دون إدراكها في خصوصيتها وتميزها.
لا نلمس لدى العقاد مقاربة نسقية منسجمة ومكتملة، بل نجد أفكارًا ثرية متناثرة أقرب إلى الكتابة الصحفية، وإن كانت تعبر عن فضول معرفي جليّ واطلاع علمي واسع.



