المدونات والمقالات

شريعتي وعلم الكلام الأيديولوجي

السيد ولد أباه

علي شريعتي مفكر إيراني بارز، توفي سنة 1977، وأثر بقوة في جيل كامل من المثقفين والجامعيين الإيرانيين، ويستند إليه حزب «مجاهدي خلق» المعارض لنظام ولاية الفقيه.

ومع أن شريعتي درس الفلسفة وعلم الاجتماع في فرنسا، وترك آثارًا واسعة، فإن أغلب أعماله تضم محاضرات ودروسًا ومناقشات تمت إما في أروقة جامعة مشهد أو في ناديه الخاص المعروف بـ«حسينية الإرشاد».

الميزة الكبرى لفكر شريعتي هي دعوته الصريحة إلى تحويل علم العقيدة الإسلامية إلى أيديولوجيا سياسية اجتماعية، توجه وعي الناس نحو التغيير والتنوير، بدلًا من الاشتغال بالقضايا النظرية المجردة والجدل اللاهوتي الصرف. وهكذا يكون المسلك المقترح لبناء علم كلام جديد هو بناء أيديولوجيا تعبوية تركز على رسالة الإسلام الإنسانية والاجتماعية. ومن الواضح تأثر شريعتي بمناخ الوجودية الماركسية التي كانت مسيطرة على فرنسا في ستينيات القرن الماضي، وكان الفيلسوف الأشهر جان بول سارتر أبرز رموزها.

لن نتناول كتابات شريعتي السياسية الكثيرة التي تدور في همومها حول تحويل الرموز التاريخية والثقافية الإسلامية (الشيعية على الخصوص) إلى مقومات فلسفة اجتماعية جديدة ترتكز على دلالات راهنة للشهادة والثورة والتمرد.

ولا شك أن كتابه الأساس «معرفة الإسلام»، الذي له نسختان مختلفتان (نسخة مشهد ونسخة إرشاد)، يشكل جوهر مشروعه في تأسيس أيديولوجيا إسلامية جديدة على أنقاض علم الكلام التقليدي.

في هذا الكتاب، يتبع المنهج التاريخي الاجتماعي في ضبط رؤية العالم الإسلامية، التي تدور، حسب رأيه، حول «العلاقة المباشرة بين الله والإنسان» التي تستغني عن الوسائط (الأرستقراطية الدينية) التي تقنن اعتقاد الناس وتستغل النص والممارسة لكبح حرياتهم وسلبهم حقوقهم، و«المساواة العامة» بما تعنيه من إلغاء كل أنماط التمايز والفوارق بين الطبقات والأعراق، وتأكيد تكافؤ البشر في الكرامة والحقوق، واتحاد المرأة والرجل في الأصل والجنس، والعدالة الاجتماعية الكاملة والحرية السياسية والفكرية الشاملة، و«الشورى في الحكم» أو الديمقراطية التشاركية بالمفهوم المعاصر، و«الاستحقاق في الأخلاق» الذي هو أساس التفاضل بين البشر، لا القرابة والشفاعة، و«العقل والعلم» الذي يكرس العقلانية النقدية والتفكير التجريبي الحر، و«الانسجام بين الدين والمدنية»، أي الجمع بين الروحانية والمادية في بناء متناسق، والسمة التاريخية المنتظمة التي عبر عنها بمقولة «الإنسان جارٍ على سنة لا تتبدل» (قوانين حركة التاريخ بالمنظور الماركسي)، والنزعة الطبيعية الإجرائية التي تتناغم مع الفكر العلمي الجديد، والنزعة النفسية الغرائزية التي تحتفي بالحياة والعيش، والرؤية التكاملية التطورية التي تعترف بالتغير والتحول، والنزعة الاجتماعية المصلحية التي ترى أن الدين يكرس مصالح البشر، و«حرية التعبير عن الرأي» دون تضييق أو مصادرة، والتوحيد الذي هو التعبير عن الجوهر الاجتماعي للدين في أبعاده الإنسانية التحررية.

من الواضح هنا أن شريعتي يقلب كليًا منهج الاعتقاد الإسلامي، بتحويل بنية الدين الفكرية إلى رؤية اجتماعية تاريخية، لا ترى في أركان الإسلام تعبيرًا عن مقدمات إيمانية وشعائر تعبدية، بل أيديولوجيا تنويرية حداثية مكتملة.

في نسخة إرشاد من كتاب «التعرف على الإسلام»، يوضح شريعتي منهجه في عرض رؤية العالم الإسلامية، محبذًا «استعراض المسيرة التاريخية للإسلام» على دراسة الأفكار والمذاهب العقدية والعلمية.

في هذا الباب، يطبق شريعتي منهجه الخاص على الأديان في مجموعها من خلال محددات خمس، هي: تصور الإله، وتصور النبي، وطبيعة الكتاب المنزل، ومضمونه التشريعي، والمرجعية الاجتماعية للرسالة.

بخصوص الجانب الإلهي، لا نجد لدى شريعتي المباحث الكلاسيكية المتعلقة بالذات والصفات، ولا النظريات الفلسفية والعرفانية أو المناهج التجريبية الحديثة، بل ما يسميه «منهج المقايسة والاستنتاج»، الذي يكمن في رصد المضامين القيمية والاجتماعية في تصور الألوهية في الإسلام بالمقارنة مع الديانات الأخرى، مبرزًا رمزية الرحمة بوصفها صفة محورية في الاعتقاد الإسلامي.

وبخصوص مبحث الرسالة، يعالج طبيعة الكتاب المنزل والخطاب الذي يتوجه به إلى الإنسانية في الأمور الفردية والاجتماعية والأخلاقية.

وفي مبحث النبوة، الذي هو من المباحث الكلامية الكلاسيكية، يتم التعرض لشخصية الرسول في الإسلام من حيث أوصافه وسلوكه وممارسته العملية وتصرفاته في الحياة. كما يتم التعرض، من وجه آخر، لسياق ظهوره وقاعدته المجتمعية ومواقفه التاريخية.

وفي مستوى خامس، يتم التعرض للوجوه البارزة والنماذج المثالية التي قدمها الدين للإنسانية، حيث يتميز الإسلام برموزه البشرية الاستثنائية، التي يركز منها على الحسين وملحمته الاستشهادية المعروفة.

إن هذا المنهج، كما هو واضح، يرتكز على البناء الأيديولوجي، أي اختزال العقيدة في وظيفتها الاجتماعية والدور الذي يمكن أن تؤديه في الصراع التاريخي بين العدل والاستبداد، والاستغلال والتحرر.

وهكذا تغيب في أعمال شريعتي الجوانب الفلسفية المتعلقة بعناصر الرؤية الفكرية الإسلامية، لأن ما يهمه ليس المذاهب والمنطلقات العقدية، بل دور الدين ورموزه البشرية في حركية التغيير الاجتماعي التي هي همه الأساسي.

عندما كتب شريعتي أعماله في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت النزعة الإنسانية التاريخانية هي المسيطرة على الفكر الغربي، وهي في عمومها مناوئة للدين، معتبرة أنه عامل اغتراب ووعي زائف. ولقد رأى شريعتي أن الإسلام، في رموزه المقدسة وخطابه الاجتماعي، قادر على أن يصاغ وفق المنظور الأيديولوجي الحداثي والتنويري، بدل القطيعة معه كما حاول بعض الكتاب الليبراليين والسياسيين الحداثيين الذين فشلوا في تقديم بديل ناجع عن المرجعية التراثية.

وبطبيعة الأمر، لم يوفق شريعتي في مشروعه الأيديولوجي لبناء علم كلام جديد، رغم نجاحه الباهر في تحريك الشارع الإيراني وتعبئة الشباب المتمرد الذي قاد ديناميكية التغيير التي احتكرها لاحقًا رجال المؤسسة الدينية الذين كان على خلاف دائم معهم.

وهكذا نستخلص من الملاحظات السابقة أن تأثير شريعتي لم يكن فكريًا ولا فلسفيًا، رغم ثقافته الواسعة واطلاعه الجيد على الدراسات الإنسانية المعاصرة، بل كان تأثيره أساسًا في العمل السياسي والتعبئة الأيديولوجية، فبقي مشروع علم الكلام الجديد الذي طرحه حلمًا مؤجلًا.