بقلم رند عزم
لا يُختزل مفهوم السلام في المدن بغياب النزاعات فحسب، بل يتجسّد أيضًا في قدرة السكان، ولا سيما النساء، على الحركة والوصول والمشاركة في الحياة العامة بأمان وكرامة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التخطيط الحضري كمدخل عملي ومترابط مع أجندة المرأة والأمن والسلام (WPS 1325)، بوصفه أداة لتحويل هذه الأجندة من إطار معياري دولي إلى ممارسة يومية ملموسة في الفضاءات الحضرية. ويُسهم هذا المنظور في تجسيد مضامين قرار مجلس الأمن الصادر في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2000، والذي أكد أن تحقيق سلام مستدام لا يمكن أن يتم دون مشاركة النساء مشاركة حقيقية ومتساوية في عمليات صنع السلام، بما يتجاوز المستوى السياسي ليطال البُنى المجتمعية والحياتية اليومية.
تؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن المدن المصمَّمة بمنظور حسّاس للنوع الاجتماعي تكون أكثر قدرة على دعم مشاركة النساء بشكل آمن ومستدام، وتعزيز وصولهن إلى التعليم والعمل والخدمات، بما ينعكس إيجابًا على التماسك المجتمعي والسلام الحضري.
التخطيط الحضري وركائز أجندة المرأة والأمن والسلام
من منظور أجندة المرأة والأمن والسلام، يؤثر التخطيط الحضري بشكل مباشر على ركائزها الأربع: الحماية، الوقاية، المشاركة، والإغاثة والتعافي.
على مستوى الحماية، تلعب عناصر التخطيط الحضري، مثل: جودة الإنارة، وتصميم الشوارع، وتوزيع المرافق العامة، وتوافر المواصلات الآمنة، دورًا محوريًا في الحد من مخاطر التحرش والعنف ضد النساء. ومع ذلك، يجب أن تقترن البنية التحتية المادية بالتمكين الاجتماعي؛ وهذا يبرز أهمية تعزيز وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني في تقديم التدريب المتخصص ورفع الوعي حول استراتيجيات الحماية، لا سيما داخل أنظمة النقل العام.
وفيما يتعلق بالوقاية، فإن التخطيط الوقائي يسهم في خلق مساحات عامة آمنة ونشطة، مع مراعاة الخصوصية السياقية للمدينة. وكإجراء وقائي أساسي، من الضروري بناء قدرات كل من سائقي وسائل النقل العام والركاب فيما يتعلق باستراتيجيات الحماية وآليات الاستجابة المناسبة لحالات العنف ضد النساء. ومن خلال ضمان سهولة الوصول، واعتماد تصميم متعدد الاستخدامات، وتهيئة بيئة نقل تراعي الوعي الاجتماعي، تسهم هذه التدخلات في معالجة الأسباب الجذرية للعنف قبل وقوعه. ويؤدي هذا النهج المزدوج إلى تحقيق نتائج أعمق وأكثر استدامة، وأن يحقق أثرًا أعمق ومستدامًا لأهداف أجندة المرأة والأمن والسلام.
أما المشاركة، فتتأثر بشكل مباشر عندما تُستبعد النساء عن عمليات صنع القرار في البلديات واللجان التخطيطية، ما يؤدي إلى سياسات حضرية لا تعكس تجاربهن ولا احتياجاتهن اليومية. في المقابل، يعزز إشراك النساء في التخطيط التشاركي حقهن في المدينة، ويحوّل الفضاء العام من مساحة محتملة للإقصاء إلى مساحة للتمكين والمواطنة الفاعلة. وفيما يخص الإغاثة والتعافي، لا سيما في سياقات الأزمات والنزوح، يُعد التخطيط الحضري عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء التماسك المجتمعي، وضمان وصول النساء إلى السكن الآمن، والخدمات الأساسية، وفرص العمل، بما يدعم التعافي العادل والمستدام.
عمّان: خطوات إيجابية نحو مدينة أكثر شمولًا
رغم التحديات الحضرية التي تواجهها عمّان، شهدت المدينة خلال السنوات الأخيرة عددًا من المبادرات التي تعكس توجهًا متزايدًا نحو تحسين جودة الفضاء العام وجعله أكثر شمولًا وأمانًا للنساء. مشاريع النقل العام، وعلى رأسها مشروع الباص سريع التردد، أسهمت في تسهيل تنقل النساء داخل المدينة، ووسّعت فرص الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات، وهو عنصر أساسي في تعزيز المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للنساء.
في الوقت ذاته، تظهر الحاجة إلى تطوير هذه المشاريع ضمن إطار أكثر شمولية يستند إلى مبادئ أجندة المرأة والأمن والسلام، بما يشمل تصميم بعض المحطات، وتحسين الإضاءة في المناطق المحيطة، ومعالجة قضايا التحرش بشكل مؤسسي، حتى يكتمل أثرها كأداة للحماية والوقاية.
كما ساهم تطوير بعض الفضاءات العامة، مثل وسط البلد وشارع الرينبو، وافتتاح مسارات تشجع على المشي والنشاط البدني مثل ممشى شارع الستين، في إتاحة مساحات حضرية أكثر حيوية تُستخدم للأنشطة الثقافية والمجتمعية، وتُشجّع على الوجود النسائي في الفضاء العام. هذا النوع من الفضاءات المفتوحة والمتنوعة يعزز الأمان الاجتماعي من خلال زيادة الاستخدام اليومي للمدينة، وترسيخ فكرة أن الشارع مساحة مشتركة للجميع.
إضافة إلى ذلك، شهدت بعض أحياء عمّان تحسينات على الأرصفة ومسارات المشاة، خصوصًا قرب المدارس والمراكز الخدمية. ورغم أن هذه التدخلات ما تزال جزئية، إلا أنها تمثل خطوات مهمة نحو مدينة أكثر قابلية للمشي، وأكثر مراعاة لاحتياجات النساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.
شهد الخطاب الحضري في عمّان تحولات واضحة خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث ركزت أمانة عمّان بين عامي 1990 و2010 على مشاريع بنية تحتية كبرى وتطوير عدد من الساحات والحدائق العامة. ورغم محدودية المساحات الخضراء اليوم، تبرز مبادرات محلية مثل حديقة أم السماق الشرقي كنماذج يمكن تطويرها لتكون فضاءات مجتمعية فاعلة تتجاوز الترفيه، وتسهم في التماسك الاجتماعي وبناء السلام من القاعدة، بما ينسجم مع أجندة المرأة والأمن والسلام التي تؤكد على دور الفضاء العام في الوقاية والمشاركة المجتمعية.
دور النهضة (أرض) في تفعيل محلية أجندة المرأة والأمن والسلام
في إطار توطين أجندة المرأة والأمن والسلام، لعبت النهضة (أرض) دورًا مهمًا في توسيع الفهم التقليدي لمفاهيم السلام والأمن، عبر نقلها من سياقات النزاع المسلح إلى الحيز الاجتماعي واليومي لحياة النساء. فقد أسهمت المنظمة في إعادة تأطير هذه المفاهيم بوصفها قضايا ترتبط بإمكانية الوصول إلى الفضاء العام، وأنماط الحركة داخل المدينة، وشروط العدالة الاجتماعية، بما يعكس الطبيعة المركّبة للأمن في السياقات الحضرية. ومن خلال برامجها ومبادراتها المجتمعية، سعت المؤسسة إلى إبراز الأبعاد المدنية والمعيشة للأمن، مؤكدة أن تجربة النساء في المدينة تُعد مؤشرًا حاسمًا على شمولية السياسات العامة وعدالتها.
وفي هذا السياق، دعمت المنظمة عبر مبادرات مثل أماني Amaani و تواصلTawasol في تفعيل محلية قرار مجلس الأمن 1325 على المستوى الوطني، من خلال تعزيز مشاركة النساء والمنظمات النسوية في نقاشات الأمان المجتمعي، والاستجابة للأزمات، وبناء التماسك الاجتماعي. ولم يقتصر هذا الدور على المقاربات الحقوقية أو المؤسسية، بل امتد ليشمل فهم العلاقة بين البيئة الحضرية وتجارب الأمان والإقصاء، حيث جرى التعامل مع الفضاءات العامة باعتبارها مواقع مركزية تتجلى فيها علاقات القوة وعدم المساواة. استنادًا إلى هذا التصور للأمن باعتباره تجربة حضرية، لعبت النهضة (أرض) دورًا محوريًا في إطلاق “لجنة مستقبل جبل عمّان“. ومن خلال تطبيق منظور الحوكمة الشاملة على عملية إحياء المنطقة، ساهمت اللجنة بترجمة مبادئ أجندة المرأة والأمن والسلام إلى خطة حضرية مستدامة قائمة على الحفاظ على التراث. ومن خلال هذه الشراكات الاستراتيجية متعددة الأطراف ووضع أصوات النساء والشباب والمجتمعات المهمشة في صميم تصميم البنية التحتية السياحية ومسارات النمو الاقتصادي، تسعى اللجنة لضمان عدالة وأصالة وشمول التطوير الحضري في المنطقة بما يسهم في الحفاظ على الإرث التاريخي وتجديد الجهود التنموية الحديثة وتمكين جميع السكان وتعزيز سبل العيش المحلية.
ويتجسد الالتزام بتهيئة بيئات حضرية شاملة بشكل أكبر من خلال عمل النهضة(أرض) ضمن مشروع تقارب CLOSER الممول من الاتحاد الأوروبي. حيث تسعى المنظمة من خلال دعم الحوكمة التشاركية على تطوير إطار مبتكر لتحويل الحقوق الاجتماعية إلى واقع ملموس. ويسهّل المشروع عملية تصميم تشاركي من القاعدة إلى القمة، تربط بين السلطات العامة والجهات الفاعلة في القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني من أجل المشاركة في تصميم خدمات اجتماعية أكثر استجابة للاحتياجات المحددة للنساء والفئات المهمشة. وفي هذا النموذج، لا تُعد الحوكمة مجرد عملية تقنية، بل جهدًا تعاونيًا يعزز الشعور المشترك بالمسؤولية والملكية تجاه الفضاءات الحضرية.
ويتقاطع هذا المنظور مع الأدوار التي تضطلع بها مؤسسات مثل النهضة (أرض) في مجال التخطيط الحضري، حيث يظهر التخطيط بوصفه أداة ذات آثار اجتماعية وسياسية مباشرة، لا مجرد عملية تنظيم عمراني. فمن خلال إدماج منظور النوع الاجتماعي في قراءة المدينة، يصبح التخطيط الحضري جزءًا من بنية السلام المستدام، بما يساهم في تعزيز الوصول العادل، وتقليص أشكال الإقصاء المكاني، وإعادة التفكير في كيفية تصميم وإدارة الفضاء العام بما يراعي التجارب المعيشة للنساء. وبهذا المعنى، يتداخل توطين أجندة المرأة والأمن والسلام مع قضايا المدينة والعدالة المكانية، بما يعكس تحولًا أوسع في فهم الأمن من مقاربة ضيقة إلى مقاربة إنسانية ومجتمعية شاملة.
نحو نهضة حضرية شاملة
تُظهر هذه التجارب أن عمّان تمتلك مقومات التحول إلى مدينة أكثر عدالة وأمانًا، إذا ما جرى البناء على المبادرات القائمة ضمن رؤية حضرية شاملة تدمج المنظور العدالة بين الجنسين، وتُشرك النساء بشكل منهجي في التخطيط وصنع القرار. فمدينة تستثمر في فضائها العام، وفي حق النساء في استخدامه بأمان وكرامة، هي مدينة تضع أسس السلام في تفاصيلها اليومية، السلام يبدأ من الحي، ويُعاش في الشارع، ويتجسّد في المشاركة والعدالة.









