السيد ولد أباه
نصر حامد أبو زيد مفكر مصري معروف، توفي سنة ٢٠١٠، وله أعمال عديدة في أصول الفقه وتفسير القرآن الكريم والأدبيات الصوفية، لكن أهم كتبه من حيث التأويلية الكلامية التي تهمنا هنا هما: «نقد الخطاب الديني» و«مفهوم النص»، وكلاهما يتعلق بمناهج قراءة التراث وتأويله لدى القدماء والمحدثين.
ومع أن نصر حامد أبو زيد يصنف أعماله في خانة «الهرمنوطيقا»، أي التأويلية، فإنه لا يبدو على اطلاع حقيقي على مناهج وطرق التأويلية المعاصرة، سواء تعلق الأمر بتقليد قراءة النص أو تقليد تاريخ الأفكار.
وبالرجوع إلى مشروعه في قراءة التراث، يمكن القول إنه يتمحور حول منطلقين يكررهما دومًا، هما: الفصل بين المرجعية الدينية المطلقة وسياقات تصور النص وفهمه وتنزيله في التاريخ والنسق الاجتماعي، والتمييز بين المنهج «العلمي» في قراءة التراث وما يعتبره مواقف أيديولوجية تعكس خيارات ظرفية عملية محدودة.
في كتابه «نقد الخطاب الديني»، الذي أثار جدلًا واسعًا، يحدد رهان معركة تأويل التراث بين «قوى الخرافة والأسطورة باسم الدين والتمسك بالمعاني الحرفية للنصوص الدينية» و«قوى التقدم والعقلانية» التي تستخدم الأدوات العلمية بدلًا من «السجال الأيديولوجي».
الخطاب الأيديولوجي يقوم على اختلالات من بينها: النظرة الذاتية غير الموضوعية، والنزعة الأحادية الضيقة، والنظرة الماضوية والوثوقية المتعصبة، وغياب الرؤية التاريخية.
ليست هذه الاختلالات خاصة بالأيديولوجيات المتطرفة، بل نلمسها أيضًا لدى التيارات الموسومة بالاعتدال والوسطية، ولدى الاتجاه المعروف باليسار الإسلامي (وهو يعني هنا فكر حسن حنفي، رغم نقده الراديكالي لخطاب الإسلام السياسي).
ما يرفضه أبو زيد في منهج حنفي هو مقاربته في تحليل الشعور الديني من أجل استخدامه الثوري والتغييري، التي يرى أنها تظل حبيسة المفهوم النظري المغلق نفسه للتراث، بدلًا من الانتقال إلى التحليل التاريخي والاجتماعي للأفكار والمعتقدات الدينية الوسيطة.
فإذا كان غرض حسن حنفي من إعادة بناء علم الكلام هو مواجهة «اغتراب الإنسان في الإلهيات» و«اغتراب التاريخ في السمعيات»، استكشافًا لبُعدَي الإنسان والتاريخ المطمورين في التراث، فإن هذا الغرض لا يتحقق بمجرد «قلب الوعي»، وإنما من خلال التأويل السوسيولوجي التاريخي الذي يبين سياق تشكل الأفكار والآراء، ويحدد إمكانات وسبل تجاوزها في الحاضر، بدل السعي التوفيقي بين المذاهب السابقة.
ذلك ما يعبر عنه أبو زيد بنهج التلوين بدل التأويل، أي «إعادة طلاء» المفاهيم القديمة لكي تكون معاصرة، وفق استراتيجية «الانحياز الأيديولوجي» ضمن شبكة الفرق الماضية.
يأخذ نقد «المنهج الشعوري التلويني» (لدى حسن حنفي) جانبًا أساسيًا في «نقد الخطاب الديني»، باعتباره دليلًا على استمرار النزعة التراثية التوفيقية وخطابها التجديدي الذي هو نقطة ارتكاز الأيديولوجيات الدينية السياسية.
البديل الذي يقدمه أبو زيد هو المنهج التنويري العقلاني في ثوابته الكبرى، التي تتركز في «رفع غطاء القداسة عن الخطاب الديني»، واعتماد التصور التطوري التاريخي في قراءة الأفكار والثقافات، والمقاربة العلمية في التعامل مع النصوص الدينية. إلا أنه يرى أن التنوير الكلاسيكي سلك إجمالًا طريق «الاستخدام النفعي الذرائعي للتراث»، بما منعه من تكريس القطيعة مع السلفية الماضوية، بدلًا من النظرة اللسانية التاريخية والاجتماعية لنصوص التراث من حيث انتماؤها «إلى بنية ثقافية محددة، تم إنتاجها طبقًا لقوانين تلك الثقافة». ومن أهم عناصر هذه البنية الثقافية المحددات اللغوية والتعبيرية، وطبيعة المجتمع الذي تشكلت فيه النصوص المرجعية، من حيث أنساق القرابة ونمط التبادل الاقتصادي والتجاري والقيم السلوكية والعرفية.
في هذا المنهج الذي يقدمه أبو زيد، يتم الرجوع إلى مقاييس اللسانيات الحديثة وتطبيقاتها الأنثروبولوجية والنقدية (النقد الأدبي)، من منطلق عام يتلخص في النظر إلى الكلمات والمفاهيم من حيث سياقات استخدامها الدلالي والوظائف التي تؤديها في الخطاب العام المشترك.
لا يبدو أن أبا زيد، رغم إحالاته إلى لسانيات دي سوسير ونقدية رومان جاكبسون، قد استوعب عمق المنعرج اللغوي في التأويلية المعاصرة، وإنما اكتفى بالتأكيد على محورية تأثير البنيات اللغوية والاجتماعية في التقاليد المعرفية وفي فهم الأصول الدينية.
في كتابه «مفهوم النص»، يطبق هذا المنهج على علوم القرآن الكريم، التي أثارت اهتمامًا مماثلًا لدى محمد أركون، ثم محمد عابد الجابري في أعماله الأخيرة. في هذا الكتاب ينتهج أبو زيد مسلك «الدراسة الأدبية» (ولعله يعني إجمالًا المنهج اللساني التأويلي)، التي يرى أنها تدخل في باب «الوعي العلمي» للتراث في مقابل «التوجيه الأيديولوجي».
هذا الوعي العلمي يكمن في البحث في عوامل تشكل التراث ومحددات تطوره من الماضي إلى الحاضر. وبالنظر إلى أن موضوع الكتاب هو علوم القرآن الكريم، فإن المدخل إلى هذا الوعي العلمي هو الحفر التأويلي في مفهوم النص من حيث هو «منتج ثقافي… تشكل في الواقع والثقافة»، بدل «الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص».
في هذا المنهج، لا يتميز النص القرآني عن غيره من النصوص، وفق نموذج الرسالة الخطابية وما تقوم عليه من ثنائية المصدر والمتلقي والنسق التفكيكي للبلاغ. وإذا كان أبو زيد يدرك مميزات النص الديني من حيث محوريته العقدية، فإنه يرى أن هذا النص لا يمكن فصله عن سياقات تنزله وتأويله التاريخية، أي «العلاقة المركبة» بين النص والثقافة، والدين والتاريخ.
والحال أن هذا التصور، وإن بدا جديدًا وجريئًا، فإنه يتعارض مع المسلمة التأويلية الكبرى التي صاغها فيلسوف الهرمنوطيقا المعاصرة غادامير، وهي استقلالية النص عن سياق تشكله الأصلي ومجال تأويله الراهن، بما يفسر تعدد وتنوع أنواع فهمه، واستحالة قراءته بمعزل عن القبليات والمصادرات التي توجه تفكيكه، بحيث لا معنى للقراءة العلمية المحايدة والموضوعية التي يدعيها أبو زيد.
وهكذا تبرز ثغرات هذا المنهج «الأدبي» في تحليليته للوحي (محاولة تجاوز المصدر الإيماني للرسالة الروحية، الذي هو المحدد الأساسي لمفهوم الوحي)، وقراءته للتراث التفسيري في مدارسه الفقهية والكلامية والصوفية.
لم يكن هدف إعادة بناء علم الكلام هو الخلفية الحقيقية لمشروع نصر حامد أبو زيد، وإنما أراد استبدال المنهج الكلامي بمنظور تأويلي جديد للنص الديني، لكن هذا المشروع فشل لغياب العدة الفلسفية والنظرية الضرورية لمثل هذا الطموح الفكري الواسع.





