جلسة استضافت د. يوسف منصور، الاقتصادي والأكاديمي ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية الأسبق (الأردن)
نظرة عامة
في ظل استمرار التصعيد الإقليمي الراهن، تتردد آثاره الاقتصادية إلى ما هو أبعد من ساحة النزاع المباشرة. إذ بات اضطراب أسواق الطاقة، ومسارات التجارة، والأنظمة المالية يؤثر بشكل متزايد في الاقتصادات المحلية والعالمية على حد سواء.
ولبحث هذه التطورات، يستضيف مركز النهضة الاستراتيجي في منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) سلسلة ندوات إلكترونية بعنوان سلسلة حوارات السياسات الإقليمية في زمن الحرب، وهي سلسلة تهدف إلى تحليل الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية للأزمة الإقليمية المتصاعدة.
وقد استضافت الجلسة الثانية د. يوسف منصور، الاقتصادي والأكاديمي ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية الأسبق في الأردن، والمتخصص في إصلاح الاقتصادين الجزئي والكلي، والتحديث الصناعي، والتنمية الاقتصادية، وتقديم المشورة السياساتية. وركزت الجلسة على التداعيات الاقتصادية الهيكلية للصراع المستمر، مع اهتمام خاص بتأثيراته على الأردن والمنطقة الأوسع.
أزمة تراكمية متعددة الصدمات
استهل الدكتور منصور حديثه بوضع الأزمة الحالية ضمن سياق سلسلة من الصدمات الهيكلية المتعاقبة: جائحة كوفيد-19 عام 2020، والحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت عام 2022 وما رافقها من اضطرابات في أسواق القمح والطاقة، ثم التصعيد الإقليمي اللاحق، لا سيما الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة وجنوب لبنان.
وأشار إلى أن تداخل هذه الأزمات حوّل ما كان يمكن أن يكون اضطرابات مؤقتة إلى حالة ضغط اقتصادي عالمي بنيوي. كما اعتبر أن الصراع الحالي يمكن النظر إليه بوصفه شكلًا من “الحرب الاقتصادية العالمية“، يتسم بتقلبات مرتفعة في الأسواق ومحدودية القدرة على التنبؤ. وأضاف أن حالة عدم اليقين الناتجة عن القرارات السياسية غير المتوقعة في الولايات المتحدة تمثل عامل مخاطرة إضافيًا في المشهد الراهن.
وعلى المستوى الدولي، لفت إلى أن استجابة القوى الكبرى ما تزال حذرة؛ إذ أبدت كل من الصين وروسيا دعمًا لإيران، مع تجنب المواجهة المباشرة، واللجوء بدلًا من ذلك إلى أشكال الدعم الاقتصادي والاستراتيجي. ورأى أن مسار الأزمة سيتحدد جزئيًا وفق تطورات تدفقات الطاقة واتجاهات المواجهة الجيوسياسية الأوسع.
قنوات انتقال الأزمة: الطاقة، التجارة، الاستثمار، والغذاء
حدد الدكتور منصور أربع قنوات رئيسية تنتقل عبرها تداعيات الأزمة:
- أسواق الطاقة: ارتفاع أسعار النفط والغاز، مدفوعًا بتشوهات السوق والممارسات الاحتكارية بين كبار المنتجين.
- التجارة العالمية: زيادة تكاليف الشحن نتيجة تغيير المسارات، وارتفاع أقساط التأمين، وتنامي المخاطر البحرية.
- تدفقات الاستثمار: تصاعد حالة عدم اليقين بما يحد من تدفق رؤوس الأموال، خصوصًا في دول الخليج، مع انعكاسات على الدول المستوردة للعمالة.
- الأنظمة الغذائية: ارتفاع الأسعار العالمية للمنتجات الزراعية نتيجة زيادة كلفة الأسمدة وتعطل سلاسل الإمداد.
وأكد أن هذه العوامل مترابطة بعمق؛ فارتفاع أسعار الغاز يؤثر مباشرة في إنتاج الأسمدة، كما أن التباطؤ الاقتصادي في الخليج يؤدي إلى تراجع التحويلات والاستثمارات في مختلف أنحاء المنطقة.
أسواق الطاقة والدور المتغير لدول الخليج
كان من أبرز محاور النقاش التحول في موقع الاقتصادات الخليجية ضمن الأزمة الحالية. فلطالما أدت النزاعات الإقليمية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بما يصب في مصلحة الدول المصدرة في الخليج، إلا أن هذا النمط بدأ يتغير.
فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 107 دولارات للبرميل حتى الآن، تواجه دول الخليج تكاليف أعلى للنقل والتأمين، خصوصًا بسبب المخاطر المحيطة بمضيق هرمز الذي أغلقته إيران بعد أقل من أسبوع على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي.
كما أن المسارات البديلة للتصدير، مثل خط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى البحر الأحمر، تنطوي على تكاليف إضافية وتحديات لوجستية، خاصة في ظل المخاوف الأمنية في ممرات استراتيجية مثل باب المندب.
ويعكس هذا التحول تغيرًا جوهريًا؛ فاقتصادات الخليج، التي قامت تاريخيًا على نماذج ريعية، لم تعد محصنة من الصدمات الجيوسياسية كما كانت في السابق، بل أصبحت أكثر تعرضًا لاضطرابات التجارة، وارتفاع تكاليف التأمين، وتقلبات الطلب العالمي.
الأردن في وسط نظام اقتصادي متمركز حول الخليج
حلل الدكتور منصور موقع الأردن ضمن هذا الإطار الإقليمي، موضحًا أن البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على التدفقات الخارجية، إذ تستورد نحو 87% من استهلاكها، وما يقارب 83% من احتياجاتها من الطاقة. ولذلك فهي شديدة التأثر بالتضخم المستورد الناتج عن ارتفاع الأسعار العالمية.
ويلعب الخليج دورًا محوريًا في هذا النظام؛ إذ تشكل تحويلات الأردنيين العاملين في دول الخليج ما يقدر بـ 7–8% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي فإن أي تباطؤ اقتصادي في الخليج ينعكس مباشرة على الأردن، بما في ذلك احتمال عودة العمالة، وإن كانت المؤشرات الحالية أقل حدة من أزمات سابقة.
وفي الوقت نفسه، تؤدي زيادة تكاليف الشحن والتأمين إلى رفع أسعار الواردات عبر منافذ رئيسية مثل العقبة، ما يفاقم الضغوط التضخمية. وتتداخل هذه التحديات مع مشكلات هيكلية قائمة، مثل البطالة والفقر وارتفاع الدين العام، الذي يقدر بنحو 118% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأشار الدكتور منصور أيضًا إلى سوابق مثل حرب العراق عام 2003 وارتفاع الأسعار عام 2008، موضحًا أن الأردن تمكن سابقًا من تجاوز صدمات أسعار النفط. وفي هذا السياق شدد على أهمية تدخل الحكومة، لا سيما في ضبط الأسعار ومنع المضاربات.
القيود السياساتية والفرص الاستراتيجية
أكد الدكتور منصور أن خيارات السياسة الاقتصادية في الأردن محدودة. فمع تجاوز الدين العام حجم الناتج المحلي، ووجود هيكل اقتصادي يتركز بشكل كبير في السياحة، والقطاع المصرفي، والإنفاق الحكومي، تصبح المرونة المالية محدودة.
أما السياسة النقدية فتبدو أكثر استقرارًا نسبيًا، مدعومة باحتياطيات أجنبية تقارب 28 مليار دولار، تكفي لتغطية ما يصل إلى عشرة أشهر من الواردات، وقد تمتد إلى عامين عند احتساب التدفقات الخارجية. إلا أن هذا الاستقرار لا يلغي مكامن الهشاشة البنيوية.
وفي هذا السياق، رأى الدكتور منصور أن النمو لا يمكن أن يعتمد فقط على ديناميكيات القطاع الخاص التقليدية، بل ينبغي أن تضطلع الحكومة بدور قيادي في إطلاق مشاريع كبرى، لا سيما من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، رغم ما يحيط بها من حساسيات سياسية.
ورغم التحديات، تتيح الأزمة أيضًا بعض الفرص الاستراتيجية. فارتفاع أسعار الأسمدة مثلًا قد يمنح الأردن ميزة نسبية، وإن كان ذلك مقيدًا بتراجع الطلب وارتفاع تكاليف النقل.
وعلى نطاق أوسع، شدد الدكتور منصور على ضرورة التحول الهيكلي عبر الأولويات التالية:
- تطوير البنية التحتية: توسيع شبكات النقل، بما في ذلك السكك الحديدية، وتعزيز العقبة كمركز لوجستي.
- التحول في الطاقة: تقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة، مع انتهاء بعض الاتفاقيات القائمة بحلول عام 2030، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح.
- الأمن المائي: ربط إصلاح قطاع الطاقة بقدرات التحلية.
- تنويع القاعدة الصناعية: التحول نحو التصنيع والقطاعات كثيفة المعرفة.
وأوضح أن هذه الإجراءات ضرورية لتقليل التعرض للصدمات الخارجية وتعزيز الصمود على المدى الطويل. وقدر أن توقعات النمو قصيرة الأجل في الأردن تدور حول 2%، في حين أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يقوض استقرار الاقتصاد بشكل كبير. كما أكد أن التنمية الاقتصادية تعتمد في جوهرها على رأس المال البشري، مشددًا على أهمية خلق فرص محلية للاحتفاظ بالكفاءات والحد من هجرة العقول.
الخلاصة
اختتمت الجلسة بالدعوة إلى الانتقال من السياسات الاقتصادية والمالية التفاعلية إلى السياسات الاستباقية. وبالنسبة للأردن، يعني ذلك الاستفادة من موقعه ضمن النظام الاقتصادي المرتبط بالخليج، مع العمل في الوقت ذاته على تقليص الاعتماد على العوامل الخارجية.
ومن أبرز الأولويات التي طرحها الدكتور منصور:
- تسريع تطوير البنية التحتية
- توسيع الاستقلال في مجال الطاقة
- تعبئة الاستثمارات عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص
- بناء قاعدة اقتصادية أكثر صلابة وقدرة على التكيف
وعلى المستوى الإقليمي، تعيد الأزمة تشكيل الدور الاقتصادي لدول الخليج، كاشفةً عن جوانب هشاشتها، خصوصًا في قطاع الطاقة. ومن المرجح أن تترك هذه التحولات آثارًا طويلة الأمد على أنماط الاستثمار، وحركة العمالة، والترابط الاقتصادي داخل النظام الإقليمي.
ويستمر الحوار
ستواصل سلسلة حوارات السياسات الإقليمية في زمن الحرب استكشاف هذه التحولات في الجلسات المقبلة. وستجمع الجلسات القادمة مزيدًا من الخبراء والمتحدثين الضيوف لتقديم رؤاهم حول الأزمة المتطورة، من خلال تناول تداعياتها الإنسانية، وانعكاساتها الاقتصادية، وآفاق الدبلوماسية الإقليمية والدولية.
وتهدف هذه السلسلة، مجتمعة، إلى بناء فهم أكثر شمولًا وواقعية لما تعنيه هذه الحرب بالنسبة للمنطقة والعالم.









