اختتمت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) المعسكر التدريبي الدولي بعنوان “من شبكات القرب المحلية إلى العمل الجماعي: تعزيز الحوكمة التشاركية المحلية عبر الحدود“، والذي عُقد في عمّان خلال الفترة من 19 إلى 23 تموز/يوليو 2026، في إطار مشروع “تقارب” (CLOSER) – ربط شبكات القرب المحلية ودعم الحوكمة التشاركية، الممول من برنامج Interreg NEXT MED.
وجمع المعسكر، الذي استضافته النهضة (أرض)، نحو 25 مشاركًا من شركاء المشروع، والسلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي المجتمعات المحلية من الأردن وفلسطين ولبنان وإيطاليا واليونان وإسبانيا، بهدف تبادل الخبرات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير مقاربات مشتركة للنهوض بالحوكمة التشاركية على امتداد منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وامتد المعسكر على مدار خمسة أيام، وشكل منصة للتعلّم المقارن والحوار السياساتي حول الحوكمة التشاركية، وتفعيل محلية العمل التنموي، والتنمية المحلية القائمة على المشاركة. ومن خلال ورش عمل تفاعلية قادها شركاء المشروع، وجلسات تبادل فني، وأنشطة تخطيط مشتركة، ناقش المشاركون سبل توظيف النماذج المحلية للحوكمة في بناء مؤسسات عامة أكثر شمولًا واستجابة وقدرة على الصمود، إلى جانب تعزيز الشراكات بين السلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، بما يسهم في تطوير خدمات عامة أكثر فاعلية وقربًا من احتياجات المواطنين.
ونُظم المعسكر ضمن برنامج الحوكمة الرشيدة في النهضة (أرض)، وبالتعاون مع أمانة عمّان الكبرى بصفتها الشريك المساند للمنظمة في مشروع “تقارب“، في تجسيد لالتزام المنظمة المستمر بتعزيز الحوكمة التشاركية من خلال البرامج القائمة على الأدلة، والتعاون الإقليمي، والحوار السياساتي. كما استندت أعمال المعسكر إلى الخبرة البحثية التي يراكمها مركز النهضة الاستراتيجي في مجالات الحوكمة، والمشاركة المدنية، وتفعيل محلية العمل التنموي، بما يسهم في ردم الفجوة بين السياسات العامة والممارسة العملية، وإثراء النقاشات الإقليمية حول الحوكمة الشاملة وتعزيز قدرة المؤسسات على الصمود.
وقالت المهندسة ملك سليمان، المنسقة الوطنية لمشروع “تقارب“ في النهضة (أرض):
“جسد تصميم واستضافة هذا المعسكر روح التعاون التي يقوم عليها مشروع تقارب، حيث ترجم التعاون العابر للحدود إلى نموذج عملي للحوكمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ومن خلال جمع الممارسين من ست دول، تجاوزنا تبادل المعرفة التقليدي نحو التصميم المشترك لأدوات عملية تربط شبكات القرب المحلية بالاستراتيجيات المؤسسية. وقد برهن هذا المعسكر أن مواءمة جهود السلطات المحلية، والمجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، تشكل أساسًا لبناء إطار متوسطي أكثر تكاملًا وقدرة على الصمود، بما يعزز العمل الجماعي ويحول المعرفة المشتركة إلى ممارسات قابلة للتطبيق.”
وافتُتح المعسكر بجلسات تناولت الأسس النظرية والعملية للحوكمة المحلية التشاركية، قبل الانتقال إلى مناقشة الحوكمة الشاملة باعتبارها شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية المحلية المستدامة. وقدمت الدكتورة سلمى النمس، الخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي والسياسات العامة، جلسة تناولت فيها سبل تعزيز فعالية أنظمة الحوكمة من خلال دمج المقاربات المستجيبة للنوع الاجتماعي، وإيجاد فرص حقيقية وفاعلة لمشاركة النساء والشباب والفئات المهمشة في عمليات صنع القرار. وأكدت أن الشمول ليس بعدًا إضافيًا في إصلاح الحوكمة، بل يمثل أحد الشروط الجوهرية لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية وخضوعًا للمساءلة.
وأضافت:”إن تحويل الحوكمة التشاركية من ممارسات متفرقة إلى معيار مؤسسي راسخ يعد أمرًا حيويًا لتعزيز قدرة أنظمة الحوكمة على الصمود على المدى الطويل. فعندما تدمج السلطات المحلية بصورة منهجية معارف المجتمعات المحلية في رسم السياسات وإعداد الموازنات، فإنها لا تكتفي باستشارة المواطنين، بل تعزز الثقة العامة، وتحسن تخصيص الموارد، وتبني مؤسسات أكثر مساءلة.”
واستكمالًا لهذه الحوارات، تناولت الدكتورة مريم أبو سمرة، مديرة مركز النهضة الاستراتيجي، الحوكمة من منظور تفعيل محلية العمل التنموي وأطر الحوكمة متعددة المستويات، مستندة إلى تجارب مقارنة من المنطقة العربية. وأكدت أهمية إعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، وتمكين الأولويات والمعارف المحلية من الإسهام في رسم السياسات العامة وصنع القرار، مشيرة إلى أن تفعيل محلية العمل التنموي لا يقتصر على نقل الصلاحيات الإدارية، وإنما يقوم على ترسيخ نهج تشاركي يعزز المساءلة، والتماسك المجتمعي، والملكية الجماعية لعمليات التنمية.
مبينة: “إن تفعيل محلية الحوكمة لا يقتصر على نقل المهام الإدارية، بل يتمثل في إعادة تنظيم السلطة والصلاحيات والموارد بحيث يصبح الفاعلون المحليون شركاء حقيقيين في صياغة القرارات التي تؤثر في مجتمعاتهم. والتحدي الذي نواجهه اليوم لا يتمثل في الاختيار بين الحوكمة المحلية أو الوطنية أو الإقليمية، بل في بناء منظومات مترابطة يعزز فيها كل مستوى المستويات الأخرى.”
كما شارك شركاء مشروع “تقارب“ في جلسات فنية تناولت رسم خرائط الجهات المعنية، والتقييمات الإقليمية، وتحديات الحوكمة، والمنهجيات التشاركية، والتخطيط الاستراتيجي، إلى جانب استعراض الخبرات والتجارب العملية للدول الست المشاركة، ومناقشة الفرص والتحديات التي تواجه شبكات القرب المحلية في سياقات سياسية ومؤسسية واجتماعية مختلفة. وأبرزت هذه الجلسات أهمية التعلم المقارن والحوار بين الأقران في تطوير نماذج حوكمة أكثر قدرة على الاستجابة لخصوصية السياقات المحلية، وأكثر قابلية للتكيف مع التحديات المتغيرة.
كما شهد المعسكر مشاركة السير تشارلز بيتري، الخبير الدولي في الحوكمة والمساعد الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة، عبر الاتصال المرئي، حيث ناقش التحول من النشاط المدني إلى الحوكمة المحلية التشاركية، مستعرضًا خبرات دولية في البيئات الهشة والانتقالية، ومؤكدًا أهمية بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وترسيخ المشاركة المجتمعية ضمن أنظمة حوكمة قادرة على الاستجابة للاحتياجات المحلية المتغيرة.
حيث وضح:”لم يعد دعم أنظمة الحوكمة المحلية التشاركية مجرد طموح ديمقراطي، بل أصبح المسار الأكثر واقعية لإعادة بناء دول تتمتع بالشرعية والقدرة على الصمود. وعلى جهود بناء السلام الدولية أن تتجاوز الافتراض التقليدي القائم على المركزية، وأن تدرك أن السلام المستدام يبدأ من المستوى المحلي، حيث تُبنى الثقة وتُقدَّم الخدمات.”
وشكلت الطاولة المستديرة الإقليمية حول أفضل الممارسات في الحوكمة التشاركية، التي نظمتها النهضة (أرض) بالشراكة مع جامعة أليكانتي، محطة رئيسية ضمن أعمال المعسكر، حيث جمعت ممثلين عن الوزارات، والبلديات، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، لاستعراض تجارب وممارسات واعدة في مجال الحوكمة التشاركية من مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط. وأكدت النقاشات أهمية تطوير نماذج حوكمة تراعي خصوصية السياقات المحلية، مع تعزيز التعلم الإقليمي، وتبادل المعرفة، والتعاون عبر الحدود المؤسسية والجغرافية.
وسلطت الجلسة الضوء على عدد من التجارب الأردنية الرائدة، من بينها مبادرة الديوانية للنقاش العام، التي قدمها الدكتور سامي حوراني كنموذج للحوكمة التشاركية والحوار المجتمعي، ومبادرة همتنا الصحية، التي قدمتها الدكتورة فاديا سمارة كنموذج للشراكات التشاركية في تنفيذ الخدمات العامة، إلى جانب مبادرة حديقة الملكة نور – الهاشمي الجنوبي، التي قدمتها المهندسة آية حماد من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، بوصفها نموذجًا لتطوير الفضاءات العامة بقيادة المجتمع المحلي.
كما أضاف فولخينسيو سيردا، رئيس بلدية فيّينا وممثل جامعة أليكانتي:”تبدأ الحوكمة التشاركية الحقيقية من البلديات، حيث تلتقي السياسات العامة باحتياجات المواطنين اليومية. ويتيح لنا التعاون مع مؤسسات مثل النهضة (أرض) وجامعة أليكانتي ليس فقط تبادل خبراتنا المحلية، وإنما أيضًا التعلم من قادة البلديات والممارسين في مختلف أنحاء المتوسط، بما يعزز نماذج الحوكمة المحلية ويجعلها أكثر شمولًا وقدرة على الصمود.”
ومن جانبه، أقال المهندس صفوت المومني، ممثل أمانة عمّان الكبرى:”شكّل المعسكر التدريبي الدولي، بما جمعه من خبرات متعددة القطاعات من ست دول متوسطية، منصة مهمة لإرساء الحوكمة التشاركية في التخطيط الحضري. فمن خلال الانتقال من نماذج المشاركة التقليدية إلى أدوات تعاون أكثر تكيفًا، أصبحنا أكثر قدرة على التصميم المشترك لعمليات تخطيط حضري شاملة وشفافة وقادرة على الصمود، بالاستفادة من شبكة إقليمية من الشركاء والخبراء.”
وشهد البرنامج الإطلاق الرسمي لشبكة “تقارب” العابرة للحدود، التي تمثل منصة إقليمية لتعزيز التعاون المستدام، والتعلم بين الأقران، والحوار السياساتي، وتبادل المعرفة بين شركاء المشروع وأصحاب المصلحة، بما يتجاوز الإطار الزمني للمشروع، ويسهم في بناء مجتمع متوسطي للممارسة يعزز الحوكمة التشاركية ويدعم استدامة التعاون الإقليمي.
حيث أشارت أنتونيلا أليسي، ممثلة ائتلاف مشروع “تقارب“، الذي تقوده مؤسسة Centro per lo Sviluppo Creativo Danilo Dolci – ETS الإيطالية: “يمثل إطلاق شبكة تقارب العابرة للحدود انتقالًا استراتيجيًا من التنفيذ المحلي إلى بناء منظومة متوسطية مستدامة للحوكمة. ومن خلال إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار السياساتي وتبادل الخبرات عبر الحدود بعد انتهاء المشروع، نؤسس آلية دائمة قادرة على تحويل الخبرات المحلية إلى حلول منهجية قابلة للتوسع على مستوى المنطقة.”
واختُتم المعسكر بزيارة ميدانية إلى مدينة البتراء، إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، ربطت بين الأطر النظرية والتجارب التطبيقية في الأردن، وأظهرت كيف يمكن للشراكات المحلية أن تسهم في تحقيق التنمية الحضرية المستدامة وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
وفي ختام أعمال المعسكر، أكد المشاركون على أهمية مواصلة الحوار الإقليمي الذي يجمع بين البحث العلمي، والسياسات العامة، والممارسة التطبيقية، ويعزز التعاون بين السلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، والمجتمعات المحلية. كما أكدوا أن المعسكر شكّل محطة مهمة في مسار تطوير الحوكمة التشاركية في المنطقة، وأرسى أسسًا عملية لاستمرار هذا التعاون من خلال شبكة “تقارب” العابرة للحدود، بما يدعم بناء فضاء متوسطي أكثر تكاملًا وتشاركية واستدامة.









