المدونات والمقالات

فضل الرحمن والتأويلية الكلامية الجديدة

السيد ولد أباه

إذا كان محمد إقبال هو أول من بلور فلسفة حديثة للدين من منظور إسلامي، فإن مفكرًا باكستانيًا آخر، هو فضل الرحمن (توفي عام 1988)، هو من قدم أول محاولة نسقية مكتملة في تأويلية النص الديني من منظور الهرمنطيقات المعاصرة.

ومن المعروف أن الفلسفات التأويلية للنص الديني تتأرجح بين موقفين متمايزين، هما: النقد التاريخي الذي يجتهد في إبراز محددات السياق وظروف تشكل التقليد وفهمه، والقراءة التجديدية التي تسعى إلى استكناه إمكانات الدلالة الثاوية في النص بحسب عوالمه الإتيقية والانتظارات الراهنة من معالجته.

الاتجاهان حاضران في منهجية فضل الرحمن، الذي دخل إلى الحقل الفكري من الدراسة العميقة للتراث السينوي وتحولاته في مدرسة صدر الدين الشيرازي المعروفة، قبل أن يكتب ثلاثيته الشهيرة التي تعبر عن مشروعه الفكري، وهي: كتاب «الإسلام» (صدر عام 1966)، وكتاب «المسائل الكبرى في القرآن» (صدر عام 1980)، وكتاب «الإسلام والحداثة» (صدر عام 1982). والكتب الثلاثة صدرت بالإنجليزية، وترجمت لاحقًا إلى اللغة العربية.

الخيط الناظم لهذه الأعمال هو عزل الرسالة الأخلاقية للقرآن الكريم، التي هي المحدد المرجعي الثابت في الدين، عن سياقات التنزيل التاريخي التي تعكس تغيرات التاريخ وتقلبات المجتمع.

ومع أن هذه الفكرة توجد لدى رواد الإصلاحية الإسلامية كلهم، من الإمامين الأفغاني ومحمد عبده، ومن تلاهما من رواد النهضة، إلا أن ما يميز كتابات فضل الرحمن هو بلورتها في أطر نظرية ومنهجية جديدة ومنسجمة.

ومع أن فضل الرحمن قليل الرجوع إلى الفلسفات التأويلية الغربية المعاصرة، إلا أن تصوره للجوهر الأخلاقي الثابت في الرسالة يستعيد بوضوح أفكار غادامير وحنة أرندت وليو شتراوس حول التقليد والسلطة، بإعادة الاعتبار للموروث التأويلي والتمييز بينه وبين النسق المذهبي الجامد.

في هذا الباب يقول فضل الرحمن بوضوح: «فالحال أن كافة القيم ذات الجوهر الأخلاقي… تتمتع في الوقت نفسه بكينونة تقف خارج التاريخ، أي تجاوزية».

هذه القيمة الثابتة «التجاوزية» هي ما يشكل السهم الموجه للرسالة، وهي ما يسمح باستكناه رؤية العالم الإسلامية التي تتمحور حول التوحيد، ليس بصفته عقيدة ميتافيزيقية محضة، لكن منظومة كونية إنسانية متكاملة تكرس قيم العدل والرحمة والتضامن والتعاون والشورى.

ومن الواضح أن فضل الرحمن أسس التقليد التأويلي الأخلاقي الحديث للإسلام، الذي تطور بشكل ملحوظ في كتابات الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو، خصوصًا في كتابيه «الإله والإنسان في القرآن» و«المفاهيم الأخلاقية الدينية في القرآن»، وقد بنى أطروحته على نظرية فضل الرحمن في البنية الأخلاقية لمنظومة الاعتقاد الإسلامي.

حسب منهجية فضل الرحمن، تتشكل ميزة الإسلام الكبرى في ديناميكيته التاريخية، التي ظهرت منذ عصر البعثة النبوية في مواكبة النص المنزل «للوضع الأخلاقي-الاجتماعي» للجزيرة العربية، وهو اليوم قادر على استيعاب التحولات الحديثة من خلال التشبع بالمنهجية ذاتها، أي تنزيل القيم المقدسة الثابتة في واقع العصر المختلف من حيث السياق والطبيعة.

إلا أن فضل الرحمن، وإن كان يشيد بما يسميه «المدرسة الموضوعية» التي ترصد السياقات التاريخية والاجتماعية للنص، فإنه يستلهم الرؤية الظاهراتية الهرمنوطيقية في ربط النص بالهوية والكينونة والمرجعيات الأخلاقية الثابتة.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن أعمال فضل الرحمن، التي تزامنت في الثمانينيات مع مشاريع قراءة التراث العربية (لدى طيب تيزيني، وحسين مروة، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون…)، تميزت بهذه النزعة التأويلية التي تسعى إلى استكشاف الآفاق الدلالية الرحبة للنص بدل الاكتفاء بالنقد التاريخي والتحليل الأيديولوجي، بما لا نجده حتى في كتابات حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد، رغم استنادهما إلى المناهج التأويلية الحديثة في قراءة النص.

وبالرجوع إلى موضوع علم الكلام الذي يهمنا هنا، نلاحظ أن فضل الرحمن يدعو صراحة إلى «بناء لاهوت إسلامي حقيقي»، ناظرًا بعين سلبية إلى التراث الكلامي باتجاهاته المختلفة، معتبرًا أنه يتعارض مع «نظرة القرآن إلى العالم».

لا فرق عنده بين النزعة «العقلانية» الاعتزالية (في الصفات والأفعال والعدل)، والنزعة «السلفية الأشعرية» (في خلق الأفعال والعادة الطبيعية والتحسين الأخلاقي)، فكلاهما يترجم نفس «البنيان المقدس الأحمق» (وهي عبارة لا تبدو لنا موفقة).

وفي هذا الباب يرى فضل الرحمن أن الموضوعات العقدية ظلت ضعيفة الحضور في الفكر الإصلاحي الحديث، سواء تعلق الأمر بمحمد عبده، الذي يرى أنه اكتفى بإعادة الروح «للعقلانية الاعتزالية»، أو بسيد أحمد خان ومحمد شلبي، اللذين دعيا إلى تأسيس علم كلام جديد دون أن يقوما بإنجاز المطلوب.

ومع أنه يشيد بجهود محمد إقبال في تجديد الفكر الديني في الإسلام على ضوء الفلسفات المعاصرة، إلا أنه يرى أنه لم يكن «باحثًا متخصصًا في مجال التقاليد اللاهوتية أو القرآن»، ولم ينتبه إلى الطابع «الدينامي الفعال» للنص المنزل (لا نوافقه في هذا الحكم الذي يبدو متعسفًا).

وهكذا يرى فضل الرحمن أن المخرج التأويلي القيمي هو البديل عن اللاهوت الفلسفي والكلامي، بما يعني التركيز على التفسير الأخلاقي للقرآن الكريم وما يفضي إليه من رؤية كاملة للعالم.

فالقرآن هو أساسًا رسالة أخلاقية، و«الأخلاق هي العنصر الجوهري فيه، وهي كذلك الرابط الضروري بين اللاهوت والشريعة». وإذا كان الأقدمون قد انشغلوا بالمسائل الميتافيزيقية بدلًا من الموضوعات الأخلاقية، فإن المحدثين أخفقوا في التمييز بين الأخلاق القرآنية والشريعة، فسادت النظرة القانونية السياسية للدين على حساب المثل القيمية والسلوكية.

ومن هنا، لا فائدة بالنسبة إلى فضل الرحمن من إحياء اللاهوت النظري القديم، الذي هو «مجرد نزعة ذهنية خالصة» على غرار الفلسفات الميتافيزيقية، بل المطلوب هو التشبث بالرؤية الأخلاقية القرآنية للعالم، التي تجمع بقوة بين العقل والشعور والممارسة.

لا مندوحة من الإقرار بأن كتابات فضل الرحمن، التي ترجمت في السنوات الأخيرة فقط إلى العربية، لم تؤثر نوعيًا في الفكر العربي، وإن كان قد لوحظ في الأعوام الماضية اهتمام واسع بالتفسير الأخلاقي للقرآن، الذي لم يتوفر منه سابقًا إلا كتاب محمد عبد الله دراز اليتيم «الدستور الأخلاقي في القرآن الكريم» (وهو في أصله أطروحة بالفرنسية قدمت في أربعينيات القرن الماضي).