المدونات والمقالات

حسن حنفي: من العقيدة إلى الثورة

السيد ولد أباه

لا شك أن الفيلسوف المصري الراحل حسن حنفي (توفي عام 2021) كتب أوسع وأشمل عمل حول علم الكلام من منظوره الفكري، ضمن مشروعه المعروف بـ«التراث والتجديد»، في كتابه «من العقيدة إلى الثورة» (5 مجلدات).

في الكتاب المذكور، اتبع المؤلف النظام التقليدي للكلاميات من حيث التبويب، فتناول تباعًا مباحث التوحيد والعدل والنبوة والمعاد والإمامة، لكنه قدّم تأويلات جديدة لهذه المفاهيم الكلامية المركزية، من منطلق إعادة بناء الوعي الديني في اتجاه الثورة والتغيير.

علم الكلام هو أحد علوم التراث الأربعة، بالإضافة إلى الفلسفة والتصوف والأصول، ومراد حنفي هو إعادة صياغتها منهجيًا وتصوريًا وفق مقاربته التي تصدر عن تحليل الواقع الاجتماعي الراهن للمجتمعات المسلمة وسبل تغييره الجذري («التراث والتجديد» بلغة البحث العلمي، و«اليسار الإسلامي» بلغة العمل السياسي).

في كتابه المنهجي «التراث والتجديد»، الصادر سنة 1980، يرى حنفي أن علم الكلام ظهر في الحضارة الإسلامية الوسيطة من أجل «المحافظة على الأمن العقلي الداخلي» لهذه الحضارة، وبعد الاحتكاك بالثقافات الوافدة غدت مهمته الرد على الأفكار الدخيلة والدفاع عن «الملة الصحيحة». ومن هنا أصبح، بالأساس، «تاريخ أديان»، وإن كان قد تداخل لاحقًا مع الفلسفة ليتحول إلى نمط من «الأنطولوجيا العامة» التي تتناول مبحث الوجود الشامل، وإلى منهج عقلاني إنساني عام.

المطلوب اليوم، حسب حنفي، هو تحويل هذا العلم إلى «أيديولوجية عصرية» تكرّس الأنماط الجديدة من اللاهوت (لاهوت الثورة، ولاهوت الأرض، ولاهوت التنمية، ولاهوت التقدم).

ومن الواضح أن حنفي متأثر في هذه المقاربة بخط «لاهوت التحرير» الذي ظهر في الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية، متأثرًا بأفكار اليسار الثوري السائدة في الستينيات والسبعينيات، وقد كتب حنفي عدة مرات حول هذا الاتجاه اللاهوتي.

في المجلد الأول من كتاب «من العقيدة إلى الثورة»، المخصص للمقدمات النظرية ذات العلاقة بنظريتي العلم والوجود، يدعو حنفي إلى الخروج من منطق الفرق و«جمود وتعصب العقائد» إلى الفكر العقلاني التاريخي النقدي الذي يمهّد الطريق للنهضة والإصلاح الراديكالي والثورة الاجتماعية الشاملة.

في هذه الرؤية، يصدر حنفي عن منهج تاريخاني أيديولوجي ينظر إلى العقائد بصفتها «غطاءً» للمصالح والمواقف الاجتماعية، ومن ثم يتعين تحويلها إلى أداة لتحرير وعي الناس وفق أهداف الثورة الاجتماعية المنشودة.

وهكذا يتخلى حنفي عن التعريف التقليدي لعلم الكلام بصفته «العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية»، ليصبح أيديولوجيا تنطلق من الواقع المعاصر للمجتمعات المسلمة وما يترتب عليه من مسؤوليات التنوير والتثوير. كما أن مباحث هذا العلم تنتقل من محاور الذات والصفات والأفعال إلى الموضوعات الإنسانية العملية، وينتقل منهجه من التصديق الإيماني والمسلك الدفاعي والجدلي إلى «وصف الظواهر وتحليل التجارب»، أي النزوع الواقعي الموضوعي.

في محور «التوحيد» (الجزء الثاني من كتاب «من العقيدة إلى الثورة»)، يصبح مبحث الذات متعلقًا بالوعي «الخالص» في إطار نظرية جديدة لـ«الإنسان الكامل» (أي الذاتية الإنسانية في دلالاتها الحديثة، التي هي محور التفكير الفلسفي منذ ديكارت)، ويصبح مبحث الصفات متعلقًا بالوعي «المتعين» (بالمفهوم الهيغلي، أي الوسائط التاريخية الاجتماعية المجسدة لحركية الوعي).

في محور «العدل» (الجزء الثالث من كتاب «من العقيدة إلى الثورة»)، يعيد المؤلف بناء نظريتي خلق الأفعال والتحسين العقلي، على أساس فلسفته في الوعي المتعين والنزعة الإنسانية التاريخية، بحيث تُحمل صفات الإرادة والفعل على الإنسان، وتغدو حريته المطلقة أساس المنظور الجديد لعلم الكلام الثوري الذي يدعو إليه حسن حنفي.

في محور «النبوة والمعاد» (الجزء الرابع من الكتاب)، يطبق حنفي المنهج التاريخي الظاهراتي نفسه، بالنظر إلى الرسالة بمعنى توجيه الوعي ونشر القيم، وهي دلالات يُعتمد فيها اليوم على الرؤية الإنسانية الموضوعية الراشدة، وليس الاستجابة السلبية لسلطة النص المقدس. كما أن المعاد يُعاد تأويله وفق منطق المسؤولية الأخلاقية والاستحقاق العملي والنظرة المستقبلية الموضوعية.

في محور «الإمامة والعمل» (الجزء الخامس من الكتاب)، يعيد المؤلف بناء النظرية السياسية الكلامية بالخروج من منطق «الفرقة الناجية» و«ولاية الأمر العادلة» إلى معاني الوحدة السياسية والاجتماعية وأفكار التعاقد الاجتماعي والمواطنة المتساوية.

هل استطاع حسن حنفي بلورة علم كلام جديد في كتابه الموسوعي «من العقيدة إلى الثورة»؟

لا شك أنه أظهر معرفة واسعة بالكتابات الكلامية، بالرجوع إلى المصنفات الوسيطة من مختلف المذاهب والفرق، لكن منهجه يتطلب بعض الملاحظات النقدية:

ليس من المسلّم أن علم الكلام هو نمط من اللاهوت النظري الذي يوجّه، من خلال العقائد المقننة، رؤية المسلمين للعالم. وكما بيّن المستشرق الألماني جوزيف فان إس، يتميز الإسلام بكونه دين عمل وممارسة جماعية بدل كونه دينًا يقنن تفصيلات ومضامين الاعتقاد. ففضلًا عن كون الفقه هو العلم الذي يحدد طبيعة التكاليف الشرعية، وليس علم الكلام، فإن علم أصول الدين أو التوحيد يُعنى أساسًا بالرد على الشبهات ومعضلات النظر في الإلهيات، ومن ثم اعتبره الغزالي علمًا علاجيًا لا يحتاج إليه عموم المسلمين.

لا يمكن التسليم بالاختزال التاريخي الاجتماعي للأفكار والمذاهب من حيث وظائفها العملية؛ فلقد أصبح من المقرر راهنًا أن لتاريخ المعارف والأفكار نسقه الداخلي الذاتي الذي يتميز عن السياقات التاريخية والاجتماعية، التي تسلك مسارات شتى متمايزة حسب الرهانات والظرفيات المتغيرة. ومن ثم لا معنى لتجاوز الإشكالات العقدية الكلامية من منظور الانتظارات التأويلية الحالية.

ينطلق حنفي، في علم الكلام الجديد الذي يدعو إليه، من فكرة الاغتراب الهيغلية-الفيورباخية، وهي فكرة لها خلفيتها اللاهوتية في نظام الاعتقاد المسيحي (عقيدة التجسد)، في حين لا يمكن استخدامها في قراءة علم الكلام الإسلامي الذي يقوم على مسلّمتين: استحالة الإحاطة بالذات الإلهية، وربط الصفات بأثر القدرة الإلهية في الطبيعة والتاريخ. ومن هنا لا معنى لفكرة الاستقطاب بين الإله والإنسان، ولا لما يترتب عليها من معادلة الوعي القصدي، التي هي إشكالية لاهوتية مسيحية محضة.

ومن هنا نخلص إلى أن الثغرة الأساس في مشروع حسن حنفي هي نظرته اللاهوتية إلى علم الكلام الإسلامي، بدلًا من استيعاب مطالب الإصلاح والتغيير داخل المنظومة العقدية والتأويلية الإسلامية.