المدونات والمقالات

علي مبروك وسياسات علم الكلام

علي مبروك، باحث مصري معروف في الإسلاميات، توفي سنة ٢٠١٦ شابًا، وقد ترك أعمالًا عديدة تدور في معظمها حول المسار السياسي لعلم الكلام الإسلامي، من خلال مبحثي النبوة والإمامة، اللذين خصص لهما كتابيه الرئيسيين: «النبوة: من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ» (صدر سنة ١٩٩٣)، و«الإمامة والسياسة: الخطاب التاريخي في علم العقائد» (صدر سنة ٢٠١٥). كما أصدر كتابًا مختصرًا بعنوان «الخطاب السياسي الأشعري: من إمام الحرمين إلى إمام العنف» (صدر سنة ٢٠٠٧).

ورغم انتقاده لفكر الفيلسوف المصري الراحل حسن حنفي في بعض المسائل، فإنه اعتمد إجمالًا مشروعه العام في نظرته النقدية التاريخية للتراث الكلامي، ومحاولته إعادة بناء الوعي الإسلامي على أسس تأويلية جديدة لنظام الاعتقاد الموروث.

إلا أن علي مبروك ينحاز بوضوح إلى المذهب الاعتزالي، الذي يرى أنه دافع عن موضوعية نظام الطبيعة وفاعلية الإنسان، وربط السياسة بالحرية والمصلحة، في مقابل التصورات الشيعية والأشعرية التي رأى أنها تدفع إلى الاستبداد واللاعقلانية.

ليست هذه الآراء في ذاتها بالجديدة، بل هي مبثوثة في الكتابات الفكرية المعاصرة، من الكاتب المصري الشهير أحمد أمين إلى نصر حامد أبو زيد، لكن ميزة علي مبروك تكمن في كونه يدمجها في تفكير فلسفي لاهوتي حول اغتراب الإنساني والطبيعي في الإلهي، وضرورة تأسيس نمط من الأنثروبولوجيا العقلانية بديلًا عن نظام الاعتقاد الكلامي القديم.

في هذا الباب، يرجع علي مبروك إلى التأويلية البروتستانتية المعاصرة، وخصوصًا أعمال اللاهوتي الألماني بول تيليش، الذي تصور النبوة من حيث هي موقف نقدي للوضع القائم، بالانطلاق من المطلق الإلهي، تعبيرًا عن التقاء الوحي المنزل والمنزلة التاريخية الإنسانية.

ذلك ما عبر عنه علي مبروك بلحظة «انحلال التعارض بين النسبي والمطلق وانصهارهما في بوتقة واحدة». وما يهمه في منهجه الأنثروبولوجي هو الكشف، من خلال التحليل اللغوي التاريخي، عن البنيات الإنسانية والاجتماعية في ظاهرة النبوة، التي ربطها المتكلمون الأقدمون بالتعالي والإعجاز، بما ولّد، منذ العصر الإسلامي الوسيط المبكر، موجة عداء ظاهرة للتصورات السائدة للنبوة، كما لدى ابن الراوندي وأبي بكر الرازي. ويعني الأمر، حسب عبارته، «الاحتجاج الزاعق على اغتراب الإنسان المادي والروحي في العالم».

في هذا الباب، يحمل علي مبروك الأشعرية مسؤولية كبرى في تثبيت هذا الاغتراب، من خلال العلاقة «المختلة» التي أقامتها بين الله والطبيعة والإنسان، إنكارًا لقوانين الطبيعة وحرية الإنسان، انطلاقًا من «سيادة المطلق الإلهي على حساب الإنسان والعالم»، وهذا التصور هو «غاية النسق وعلة وجوده» (يعني هنا النسق الأشعري).

أما علم الكلام الاعتزالي، فيرى علي مبروك أنه اعتمد فكرة «الطابع الديالكتيكي العيني بين الدوائر الثلاث» (أي الله والإنسان والعالم)، وفق تصور «تفاعلي استيعابي» يقوم على التعالق والترابط و«التوازن الفعال»، بما يكرس القيم الإنسانية الحية والنظرة الطبيعية الموضوعية.

لا نحتاج إلى تبيان مظاهر الخلل والقصور في هذه المقاربة، التي ترى في عقيدة خلق الأفعال، والقول بالتولد، ومذهب الصلاح والأصلح، محددات دالة على أفكار العقلانية والحرية بحسب المنظور الحديث، والحال أن هذه الخلفيات غائبة كليًا عن المتكلمين المعتزلة، الذين كان هدفهم محصورًا في تأكيد عقيدة التوحيد والعدل الإلهي. كما أن موقف الأشاعرة في الطبيعيات والأخلاق يمكن أن يُنظر إليه بصفته تعبيرًا عن رفض النظام الضروراتي في الطبيعة وفي الفعل الإنساني، بما هو أكثر تلاؤمًا مع القيم والتصورات الحداثية.

في كتابه المختصر «الخطاب السياسي الأشعري»، يطور علي مبروك هذه الأطروحة النقدية للأشعرية، معترفًا، من جهة، بهامشية موضوع الإمامة في التقليد الأشعري (بصفتها من فروع الدين لا من أسس الاعتقاد)، لكنه يرى أن المبحث الإلهي لدى الأشاعرة (المطلق الإلهي) هو الذي يؤسس المنظور السياسي، إلى حد تماهي السلطان الإلهي والحكم السياسي، حتى في مبحث الصفات الإلهية.

هذه الأطروحة، التي تعود في أصلها إلى حسن حنفي، تحتاج إلى مراجعة جذرية، باعتبار أن مفهوم السلطة الإلهية المطلقة يتعارض كليًا، وفق المذهب الأشعري نفسه، مع السلطة السياسية المطلقة؛ لكون التدبير الإلهي الكوني لا يمكن أن يتجسد في بناء سياسي بشري. ومن ثم، فإن كان عموم الأشاعرة قد كرروا موقف طاعة ولي الأمر ورفض الفتنة والبغي (وهو نفس الموقف الاعتزالي)، فإنهم رفضوا بشدة فكرة «الحاكم الإله» أو «الحاكم المقدس» التي كانت سائدة في التقاليد الشرقية (الفارسية والفرعونية…).

في كتابه «الإمامة والسياسة»، الذي هو من أعماله الأخيرة، يدعو علي مبروك، تبعًا لحسن حنفي، إلى النزعة التاريخية الإنسانية لتكريس فاعلية الإنسان وتقدمه وحريته، معتبرًا أن الليبرالي والعلماني فشلا في مشروعهما لتحديث المجتمع العربي نتيجة غياب هذا الوعي التاريخي. وهو هنا يحمل الأشعرية مسؤولية كبرى في غياب هذا الوعي التاريخي، باعتبارها ليست مجرد «نسق للعقائد… بل كمخزون نفسي عند الناس يوجه سلوكهم ويحدد أنساق قيمهم، ويبلور – وهو الأهم – طرائق تفكيرهم ورؤاهم للعالم».

هذا الحكم غريب تمامًا، باعتبار أن العقيدة الأشعرية لم يكن لها يومًا هذا التأثير النظري والعملي، وهي اليوم غائبة كليًا عن وعي الناس وأفكارهم، وتكاد تكون قد انحسرت في مهدها الأصلي (أي الأوساط العلمية العتيقة). كما أن الأيديولوجيات الراهنة، بما فيها الإسلام السياسي، تحارب بقوة الأشعرية وترى فيها نزعة جامدة وتراثًا فلسفيًا مرفوضًا.

لا يبدو البديل التاريخي (مقابل الإمامة الماضوية) خيارًا واضحًا وناجعًا، رغم الشحنة المستقبلية التي ركز عليها علي مبروك؛ فمن البديهي أن التداخل بين السياسي والفكري، الذي أبرزه المؤلف في دراسته لتاريخ الاعتقاد الإسلامي، ليس صفحة متجاوزة من الماضي، حتى لو اختلفت المضامين الفكرية والأيديولوجية للمشاريع السياسية. وقد قال الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير إن كل محاولة للتحرر من الأيديولوجيا تفضي إلى السقوط في الأيديولوجيات غير الواعية، ولو كانت أيديولوجيات علمية ملتبسة.