المدونات والمقالات

مالك بن نبي وإعادة تأويل الوحي

السيد ولد أباه

في سنة 1946، أصدر الشاب الجزائري غير المعروف آنذاك، مالك بن نبي، كتاب «الظاهرة القرآنية» باللغة الفرنسية (تُرجم إلى العربية سنة 1958)، مبلورًا منهجًا جديدًا في تفسير ظاهرة الوحي والنبوة، في اختلاف واضح مع المباحث الكلامية الكلاسيكية.

لقد كانت تلك المباحث تدور حول فكرة الإعجاز البياني للقرآن الكريم، بالكشف عن جوانبه التعبيرية الخارقة، وتحدّيه للوسط الذي نزل فيه الوحي من العرب وأئمة البلاغة والبيان.

ولقد عمل بن نبي على وضع منهجية جديدة في تقديم الوحي، بمراعاة الأدبيات الاستشراقية التي كان واسع الاطلاع عليها، وباستلهام المناهج الاجتماعية والإنسانية المعاصرة. ومن هنا تأتي أهمية كتابه في حقل الدراسات الإسلامية، في حقبة لم تتجاوز فيها التصورات الكلامية الجديدة دمج مقولات التحديث والنهوض في صلب المرجعية الإسلامية.

لقد تمحور كتاب بن نبي حول ثلاث مقاربات تصورية ومنهجية جديدة، هي: التفسير الأنثروبولوجي للظاهرة الدينية في ثوابتها المجتمعية، في مقابل النزعات المادية والتاريخية الضيقة؛ والتحليل النفسي من خلال إبراز العلاقة بين الرسالة الغيبية المقدسة وشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، من حيث هو متلقّي الوحي ومبلّغه للناس؛ والتحليل الاجتماعي في تحديد علاقة الرسالة بسياقها القيمي والثقافي.

والغرض من هذه التحليلات الأنثروبولوجية والنفسية والاجتماعية هو إبراز صدق الرسالة، وتعاليها على المعطيات التاريخية الظرفية، وعلى الاعتبارات الشخصية التي كثيرًا ما يقف عندها المستشرقون في تفسيرهم للنبوة.

في تحليله للظاهرة الدينية، يبيّن مالك بن نبي أن الوعي الديني من الثوابت الدائمة في الثقافة البشرية، ولا يمكن أن يقوّضه النظر العلمي أو يعوّضه، بل إن التفكير العلمي يتأسس على مسلّمات غيبية لا تختلف في شيء عن المنطلقات الميتافيزيقية للدين.

المنهج المادي قاصر في تفسيره لاتساع الكون ولا تناهيه، وهو محدود في الظواهر الطبيعية الكمية، ولا يمكنه الوصول إلى عمق الأشياء وما ورائيتها، التي هي مجال الغيب والإيمانيات. ونلاحظ هنا أن بن نبي يوظّف جملة من النتائج التي توصّل إليها في دراساته العلمية، الرياضية والفيزيائية، وهي في عمومها تندرج في سياق الإبستمولوجيات ما بعد الوضعية، التي كشفت عن حدود العقل التجريبي في ضبط حقائق الوجود، وعن الفروق الجوهرية بين القوانين العلمية والحقائق المطلقة التي تتجاوز المدى المخبري الضيق للنظريات الطبيعية.

في تفسيره للنبوة، ومن هذا المنطلق المنهجي، يبدأ بن نبي بتأكيد استقلالية ظاهرة الوحي عن «الذات الإنسانية التي تعبّر عنه». إنه هنا يردّ على بعض المقاربات التي ظهرت في الكتابات الاستشراقية حول تأثير شخصية النبي ومساره في طبيعة النص المقدس، مبيّنًا أن الرسالة حدث خارجي يتم خارج الكيان الشخصي للرسول، ولا يمكن تفسيرها بعوامل نفسية ذاتية.

في هذا الباب، يستعيد بن نبي المعلومات المألوفة في سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، قبل البعثة وبعدها، من ميلاد وتربية في الطفولة وزواج وعزلة، قبل نزول القرآن الكريم، ثم الهجرة إلى المدينة المنورة، وأحداث الغزوات والجهاد وفتح مكة وختم الدين.

وفي هذا الباب، يقف مطولًا عند دلالة الوحي في علاقته بالذاتية النبوية، مبيّنًا أن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بالمقولات التحليلية النفسانية، من قبيل الحدس أو الإلهام، فهي تنمّ عن اقتناع شخصي بأن الرسالة خارجية ومصدرها إلهي غير بشري: «وهذه الصفات تتأكد في نظر الذي يتلقى الوحي، تأكدًا لا يبقى معه ظل من الشك فيما يتصل بموضوعية الظاهرة الموحية، وهذا شرط أول مطلق ضروري لاعتقاد النبي الشخصي».

في القرآن الكريم، لا تحضر ذات الرسول، ولا يعكس هذا الكتاب شخصيته الخاصة، بل هو فرد مخاطَب بالرسالة ومبلّغ لها، بما يسمح لبن نبي أن يقول إن الأمر يتعلق بذات غيبية أو ميتافيزيقية، «لا يربطها بالذات المحمدية رباط سوى رباط الوحي».

إن هذا التمايز بين الرسالة والشخصية النبوية يبدو بوضوح على صعيدين: صعيد المخاطبة الإلهية للرسول، التي تكشف عن الفروق بين «الفكرة المحمدية والفكرة القرآنية»؛ وصعيد التمييز الواضح بين القرآن، الذي هو كلام الله، والحديث النبوي، الذي هو كلام نبيّه.

وفي الجانب الاجتماعي، يبيّن بن نبي أن الرسالة القرآنية لم تكن تعبيرًا سلبيًا عن الأوضاع التاريخية والمجتمعية للجزيرة العربية في عصر البعثة، بل أدخلت مضامين عقدية وقيمية جديدة كليًا، غيّرت جوهريًا رؤية العالم لدى المسلمين، وشكّلت تفرّد هذه الرسالة الإلهية الجديدة وخصوصيتها.

لا شك أن كتاب مالك بن نبي شكّل، عند صدوره في أربعينيات القرن الماضي، وبعد ترجمته إلى العربية في نهاية الخمسينيات، حدثًا كبيرًا في حقل الإسلاميات الحديثة، بتناوله موضوعًا محوريًا كان إلى ذلك العهد قليل التناول. وقد احتفى الفقيه الأزهري المشهور محمد عبد الله دراز بكتاب مالك بن نبي، الذي تزامن تقريبًا مع صدور أطروحته للدكتوراه حول أخلاق القرآن الكريم، التي نُشرت نسختها العربية لاحقًا بعنوان «دستور الأخلاق في القرآن الكريم». كما أن دراز استفاد من منهجية بن نبي في مراجعاته لكتاب «النبأ العظيم»، الذي خصّصه لمناهج النظر في الوحي الإلهي.

رغم أن ثمانين سنة مرّت على صدور هذا الكتاب المهم، فإن الدراسات القرآنية لم تتجاوزه كثيرًا، رغم بعض المحاولات الأخيرة التي سنقف عندها لاحقًا. صحيح أن المؤلف ناقش الكتابات الاستشراقية في عصره، وكانت في بداياتها، وسارت إجمالًا في مسلك المقارنة بين القرآن الكريم والكتاب المقدس اليهودي المسيحي (ومن هنا الحيّز الواسع الذي خصّصه بن نبي لهذه المقارنة)، أما اليوم فقد انتشرت أدبيات المراجعين الجدد في نزعتهم الشكية الراديكالية، التي تحتاج إلى منظور جديد.

إلا أن أهمية كتاب مالك بن نبي تتجلّى في اقتحامه هذا الميدان المعقّد بأدوات عصره، مع اطلاع جيد على الأدبيات الكلامية والتفسيرية القديمة، والأفكار التجديدية الحديثة (خصوصًا لدى الإمام محمد عبده). وهو بهذا العمل يدشّن خطًا غير مسبوق في التأويلات الكلامية، لم يتبعه الكثيرون من بعده.