السيد ولد أباه
في سنة ١٩٣٠، نشر الفيلسوف الهندي (أبو الدولة الباكستانية) كتاب «تجديد الفكر الديني في الإسلام» باللغة الإنجليزية، وهو في أصله محاضرات أُلقيت في نهاية عشرينيات القرن الماضي.
وعلى عكس الأفغاني ومحمد عبده، اللذين كانا من علماء الدين التقليديين، يندرج كتاب محمد إقبال في أفق مغاير، هو أفق الفلسفة الحديثة التي تشبع بها خلال دراسته في بريطانيا وألمانيا.
في هذا الكتاب، نلمس اطلاعًا مبكرًا على فلسفات كانط وهيغل ونيتشه وبرغسون، ضمن تفكير معمق في فلسفة الدين الإسلامي، بالرجوع إلى التقليد الصوفي العريق الذي هيمن على شعره.
ولعل مفتاح فلسفة الدين الإقبالية هو ثنائية الوفاء والحركة، وهي الزاوية التي نظر منها الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان إلى فكر محمد إقبال الإصلاحي في كتاب مهم تُرجم إلى العربية.
فالوفاء يعني التجذر في المرجعية الدينية من حيث ثوابتها، والحركة هي، في آن واحد، جوهر رؤية العالم الإسلامية عند إقبال، كما أنها الخلفية المنهجية للتجديد والاجتهاد، اللذين يشكلان ضمانة مواكبة الدين لتطورات الزمان وسيرورة التاريخ.
ومع أن كتاب «تجديد الفكر الديني في الإسلام» لا يدخل في باب الكلاميات، فإنه يؤسس لمقاربة جديدة في علم الكلام، تعيد تفسير التجربة الدينية، وضبط آليات قراءة النص وتجسده في الواقع والتاريخ.
فالدين، من هذا المنظور، ليس مجرد مدونة عقدية وسلوكية، بل هو، على غرار ما تصورته النظريات البراغماتية والتداولية المعاصرة، تجربة حية تتجلى في تشكيل الشخصية ونمط تصرفها الفردي والجماعي.
إنه هنا يخرج عن التعريفات الكلامية التي يراها مجردة ونظرية، كما يخرج عن نقدية العقل الحديثة بالمفهوم الكانطي، من أجل تصور الدين في بنيته المركبة من المعتقدات والمشاعر والمسلكيات، التي تستوعب، في آن واحد، العقل والحدس، والتصور والإحساس الذاتي.
وفي هذا الباب، يرى إقبال أن التصورات الأشعرية المتأثرة بالتصوف، في نزعتها الشكية تجاه العقل المجرد (كما عند الغزالي)، أقرب إلى روح الدين الإسلامي من العقلانية الاعتزالية والفلسفية، ومن الكانطية المعاصرة، لكنها لم تدرك الروابط العضوية بين العقل والحدس، بدل الفصل الجذري بينهما.
وفي ملاحظة عميقة، يبين إقبال أن التعارض الذي تقيمه الفلسفة الغربية بين الذات والموضوع، والمثال والواقع، يختلف نوعيًا عن المقاربة الإسلامية، التي تتبنى رؤية تركيبية كونية تدمج الطبيعي بالإنساني، والمادي بالروحي، والفردي بالاجتماعي. ولا شك أن إقبال يعبر، في كتابه الصادر في بداية الثلاثينيات، عن طغيان النزعة التجريبية والتصورات التطورية التاريخية والنفسانية، التي اعتبر أنها تتطابق مع رؤية العالم الإسلامية.
إنه هنا يضع الأسس النظرية الرصينة لعلم كلام جديد، على أنقاض ما يدعوه بالفلسفة «الإسكولائية»، وهي المدرسة الميتافيزيقية الكلاسيكية التي حاولت بناء اللاهوت الديني على أساس التصورات الأرسطية.
وفي هذا الباب، يرجع إلى كانط في نقده الشهير للدليل الوجودي (مع التعرض للدليلين الكوني والغائي)، باعتباره يقوم على ازدواجية الفكر والوجود، بدل النظر إليهما بوصفهما حقيقة واحدة تتجلى في مستويات ثلاثة: المادة، والحياة، والعقل. وهو هنا يوظف عدة فلسفية واسعة تشمل أفكار هيغل وبرغسون وبرتراند راسل، ويرى أنها تتناسب مع بعض الحدوس الأساسية في الأشعرية الكلاسيكية.
وما يتم التركيز عليه هنا هو التصور الكلامي السني للزمان، الذي يتعارض مع المقاربة الأرسطية (الزمان بوصفه لحظات منفصلة متقلبة)، وينظر إليه بصفته كلًّا شعوريًا متصلًا، هو الدلالة العميقة للوجود. ويرجع هنا إلى مفهوم الديمومة عند برغسون.
فإذا كانت فلسفة الوجود اليونانية تقوم على الثبات والتطابق والتشابه، فإن الرؤية الإسلامية تقوم على الحركة والتغير والاختلاف الدائم، ومن ثم الطابع الديناميكي الحي لهذه الرؤية.
ووفق هذه الزاوية، يؤول محمد إقبال حدث ختم النبوة باعتباره تأكيدًا على رشد الإنسان واستخلافه في تسيير الكون، والقول بأنه لم يعد بحاجة إلى وصاية على عقله وتفكيره. وقد لاحظ الفيلسوف الفرنسي المسلم عبد النور بيدار أن هذا التصور هو المسلك الإسلامي الموازي لعقلية التنوير الأوروبي.
ووفق الرؤية القرآنية، يتجدد خلق الكون باستمرار، ويمارس الإنسان دورًا إبداعيًا فاعلًا في هذه الديناميكية المطردة، بما يكرس النزعة التجريبية العقلانية في التقليد الإسلامي.
وعلى عكس القراءة الاستشراقية المألوفة لأخلاق الفناء عند الصوفية، يرى إقبال أن التجربة الصوفية الإسلامية تقوم على توطيد الذات وتدعيمها شعوريًا وعمليًا، بدل إخمادها ولجمها. ويعني هنا مثالية التسامي وسيرورة التحقق بالأسماء والصفات الإلهية في مسلك المطلق اللامتناهي، وصولًا إلى ما سماه الصوفية «الإنسان الكامل»، الذي هو الصيغة الأولى من فكرة «الإنسان الأعلى» عند نيتشه.
ومع أن الاهتمام العربي بإقبال بدأ مبكرًا مع أعمال وترجمات عبد الوهاب عزام، وقد ترجم عباس محمود كتابه الرئيس «تجديد الفكر الديني في الإسلام» في ستينيات القرن الماضي إلى العربية، فإن تأثيره الفكري ظل محدودًا وضيقًا، لا يتجاوز بعض الإشارات في أعمال عباس محمود العقاد، ومالك بن نبي، وهشام جعيط.
وفي دراسة قدمتها في نوفمبر ١٩٩١ أمام المؤتمر الدولي المنعقد حول محمد إقبال في مدينة قرطبة الإسبانية، بعنوان «محمد إقبال وأبو الأعلى المودودي»، تساءلت: لماذا لم يؤثر محمد إقبال نوعيًا في الفكر العربي المعاصر، رغم ثراء مشروعه الفلسفي، في الوقت الذي كان فيه تأثير الداعية الأيديولوجي المودودي كبيرًا؟
ولا شك أن أفكار إقبال في الكلاميات وفلسفة الدين، لو وُظفت التوظيف الصحيح والدقيق، لأسست لنسق كلامي جديد في الدراسات الإسلامية. ورغم أن المفكر المصري الراحل حسن حنفي كتب كتابًا مهمًا ووافيًا حول محمد إقبال، واستلهم مشروعه في مقاربته لإعادة بناء علوم العقيدة، فإنه انصاع، في نهاية المطاف، لإغراء البناء الأيديولوجي باسم الثورة و*«لاهوت الأرض والتحرير»*.
ومن هنا نخلص إلى أن محاولة محمد إقبال المبكرة لوضع علم كلام جديد من منظور فلسفي معاصر ظلت يتيمة، ولم تؤثر نوعيًا في الفكر العربي الإسلامي الحديث، الذي هيمنت عليه الأيديولوجيات الاحتجاجية والسلفيات الراديكالية.









