السيد ولد أباه
مصطفى عبد الرازق هو، دون شك، مؤسس تقليد الفلسفة الإسلامية الحديثة في العالم العربي، من خلال كتابه الشهير «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»، الصادر سنة ١٩٤٤. والمعروف أن مصطفى عبد الرازق كان من أهم تلاميذ الإمام محمد عبده، وقد تولى مشيخة الأزهر سنة ١٩٤٥، قبل أن يتوفى بعد سنتين من هذا التتويج.
ما يميز كتاب عبد الرازق هو كونه بلور مقاربة بديلة للكتابات الاستشراقية الأولى، التي كانت إما تنظر إلى علم الكلام بصفته تفكيرًا دينيًا خالصًا لا علاقة له بالنظر الفلسفي والإشكالات العقلية، أو تعتبره مجرد نتاج للتأثر بالفلسفة اليونانية واللاهوت المسيحي.
وهكذا، نرى أن عبد الرازق رفض الرأي السائد الذي يحصر الفلسفة الإسلامية في التقليد المشائي الممتد من الكندي إلى ابن رشد، كما رفض فكرة المرجعية اليونانية للكلام الإسلامي، مبينًا أن إشكالاته الأساسية ومفاهيمه المحورية نبعت من داخل الحقل العقدي الإسلامي، شأنه شأن التصوف وعلم أصول الفقه.
في الفصل الأخير من كتاب «التمهيد»، نقرأ الضميمة المهمة التي خصصها لعلم الكلام وتاريخه. ولئن كان يرجع إلى أطروحة الفارابي الشهيرة في تعريفه لعلم الكلام بالمنهج الجدلي الساعي إلى الدفاع عن العقيدة و«تزييف» الأقوال المناهضة لها، وهو الرأي نفسه الذي يعتمده المتكلمون، وفي مقدمتهم الإمام أبو حامد الغزالي وابن خلدون والإيجي والتفتازاني، إلا أنه يؤكد الطابع العقلي لهذا العلم، الذي يقوم، حسب عبارته، على «تأييد الشرع بالعقل»، مهما كان الخلاف بين المتكلمين حول الاكتفاء بالنظر العقلي في المعتقدات، أم الحاجة التكميلية إلى الأدلة السمعية والنصية في ضبطها.
ورغم أن عبد الرازق يكرر الموقف السني التقليدي في عدم الحاجة إلى الجدل الكلامي في العصر النبوي وعهد الخلفاء الراشدين، إلا أنه لا ينكر أصالة هذا العلم وجذوره الإسلامية، منوهًا بالمذهب الاعتزالي الذي اتسم، حسب عبارته، «بالبحث العقلي والاعتماد على أساليب المنطق والجدل، فمالت إليه الطباع وكثر أنصاره، وأصبح المذهب السائد بين المذاهب الكلامية».
وفي تفسيره لتراجع الاعتزال، يركز على العوامل السياسية (وهو يعني، دون شك، استقواء أئمة الاعتزال بالخلافة العباسية في مسألة خلق القرآن المعروفة)، لكنه يعتبر أيضًا أن النقد الأشعري لعب دورًا أساسيًا في انهيار المذهب الاعتزالي، ويفسر قبوله الواسع بما ذهب إليه من خط وسط بين لاهوت النفي لدى المعتزلة (تعطيل الصفات، حسب اللفظة القديمة)، و«لاهوت الإثبات» لدى «مذهب أهل التجسيم» (ويعني الحنابلة وأهل الحديث).
في هذا الباب، يبين عبد الرازق أن الأشاعرة، وإن نقدوا المعتزلة في عقلانيتهم الصارمة، إلا أنهم هم من أدخل المنطق إلى علوم العقيدة، كما أنهم طوروا نظرية عقلية واسعة في الطبيعة والوجود (مقولات الجوهر والعرض والجزء الذي لا يتجزأ…)، ثم استوعبوا، على نطاق واسع، المقولات الفلسفية التي حاربها سلفهم، مؤسسين ما أطلق عليه ابن خلدون علم الكلام الفلسفي، أو طريقة المتأخرين في النظر الكلامي.
بيد أن مصطفى عبد الرازق يشير بوضوح إلى ضعف الدراسات الكلامية في عصره، مستندًا إلى رأي شيخه الإمام محمد عبده، ملاحظًا أن «النهضة الحديثة لعلم الكلام» لا تتجاوز التنافس بين المقاربة الأشعرية وأطروحة ابن تيمية التي مالت إليها السلفية المحدثة، وإن كانت «الغلبة في بلاد الإسلام لا تزال إلى اليوم لمذهب الأشاعرة».
لا شك أن مصطفى عبد الرازق، الذي اطلع اطلاعًا جيدًا على كتابات المستشرقين، وبصفة خاصة آراء رينان وكتابات ماسينيون حول التصوف، أدرك أهمية دمج علم الكلام، ولكن أيضًا التصوف وأصول الفقه، في النسيج الفلسفي الإسلامي، قائلًا بوضوح:
«وعندي أنه إذا كان لعلم الكلام ولعلم التصوف من الصلة بالفلسفة ما يسوغ جعل اللفظ شاملًا لهما، فإن “علم أصول الفقه” المسمى أيضًا “علم أصول الأحكام” ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد، الذي هو علم الكلام، بل إنك لترى في كتب أصول الفقه أبحاثًا يسمونها “مبادئ كلامية” هي من مباحث علم الكلام، وأظن التوسع في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية سينتهي إلى ضم هذا العلم إلى شعبها».
هذا الرأي يعبر عن تحول نوعي في النظر إلى الفلسفة الإسلامية، انطلاقًا من مركزية علم الكلام، الذي صدّر أدواته النظرية والمنهجية إلى العلم الذي يدرس طرق استثمار الدلالة والحكم من النص، كما أن التصوف يمكن النظر إليه من الزاوية ذاتها، لكونه يبحث في حقيقة الإيمان والتخلق بالصفات الإلهية.
لا نرى لدى مصطفى عبد الرازق، الذي كان مقلًا في الكتابة والتأليف، محاولة جدية جريئة لبناء علم كلام جديد، بل إنه ظل وفيًا لمشروع محمد عبده، الذي حافظ على جوهر الكلام الكلاسيكي، وإن أراد تطويعه لأفكار النهوض والتحديث التي نشرها ودعا إليها.
قد يكون مصطفى عبد الرازق، الذي كان أيضًا فقيهًا كبيرًا، رأى أن باب تجديد الدين لا يتحقق في المنظور الكلامي، الذي هو من مشاغل العلماء المجردة التي لا تتوقف عليها سياسات عملية، في مقابل الفقه الذي يرتبط مباشرة بحياة الناس وأوضاعهم المعيشية. وفي هذا التوجه، يتبع أيضًا شيخه محمد عبده، الذي توقف، بعد منفاه البيروتي، عن المباحث الكلامية، ليصبح مفتيًا ساعيًا إلى تقديم اجتهادات جريئة في مسائل العصر المطروحة في بلاده وفي العالم الإسلامي عمومًا.
خلاصة الأمر أن مصطفى عبد الرازق بيّن الصلة الوثيقة بين الفلسفة وعلم الكلام، واعتبر أن علم الكلام أقرب إلى روح الإسلام وإشكالاته العقدية من الفلسفة المحترفة المتأثرة بالمرجعية اليونانية، كما كشف عن الارتباطات الوثيقة بين علم الكلام والتصوف وأصول الفقه، مما يسوغ ضمهما إلى التقليد الفلسفي الإسلامي بمفهومه الواسع. لكنه لم ينظر إلى علم الكلام من حيث هو رؤية للعالم أو أيديولوجيا تحرك الوعي الإسلامي، وإنما هو، في نظره، أساسًا مقاربة جدلية عقلية صرفة، لا تترتب عليها بالضرورة نتائج عملية، على عكس الفقه الذي هو الممارسة المعيارية التي تنظم تأويل الدين وتنزيله في الواقع الاجتماعي.



