المدونات والمقالات

وحيد الدين خان وعلم الكلام الجديد

السيد ولد أباه
قلّ من أبناء جيلنا من لم يقرأ، في سبعينيات القرن الماضي، كتاب مولانا وحيد الدين خان «الإسلام يتحدى»، الصادر في منتصف الستينيات. ومع أن رجل الدين الهندي الراحل، الذي توفي قبل وقت قريب عن عمر مديد، لم يكن متكلمًا كلاسيكيًا، ولم يخض في الموضوعات العقدية التراثية، فإن كتابه المذكور أثّر بقوة في حقل الإسلاميات المعاصرة، ووجد فيه كثيرون بديلًا راهنًا عن علم الكلام السابق.
منذ مقدمة كتابه، يوضح المؤلف مراده، الذي يتلخص في استبدال الطريقة الفلسفية في عرض العقيدة والرد على شبه «الملاحدة» بطريقة تجريبية علمية، توظف النظريات العلمية المعاصرة في الدفاع عن العقيدة الإسلامية.
عندما كتب وحيد الدين خان كتابه «الإسلام يتحدى»، كانت معارضة الوعي الديني تتمحور حول ثلاثة مواقف كبرى: النزعة الوضعية التي رأت أن العلم التجريبي قد قضى على الدين في تفسيره للعالم، وفي نمط تفكيره وأسسه المعرفية العقلية (أوغست كونت والوضعية المنطقية)؛ والتحليل النفسي، في صيغته الفرويدية، الذي يرى في الديانات نمطًا من «الوهم الجماعي» والاختلال النفسي الذي يُفسَّر بالعقد اللاشعورية المكبوتة؛ والأيديولوجيا الماركسية التي تعتبر الدين «أفيون الشعوب» ومظهرًا للاغتراب والوعي الزائف.
ومن هنا حرص وحيد الدين خان على مواجهة هذه التيارات في مقاربتها للدين، انطلاقًا من منطلقين مترابطين: إبستمولوجي يبيّن وهم فكرة الإجماع العلمي حول حقائق موضوعية ثابتة، بما يتنافى مع تطور الفكر العلمي نفسه؛ وروحي يكشف عن الحاجة الثابتة إلى الدين في كل العصور والثقافات.
في هذا الباب، يوظف المؤلف ثقافة علمية واسعة في الدفاع عن الدين، بما يختلف نوعيًا عن الأدلة الكلامية التقليدية. ففي موضوع الخلق، مثلًا، لا يستعيد البراهين الكلاسيكية على حدوث العالم، بل يرجع إلى علماء الطبيعة المعاصرين في تأكيدهم، من خلال نظريات الطاقة الحديثة (القانون الثاني للديناميكا الحرارية)، أن الكون ليس أزليًا، بل هو سائر حتمًا إلى التحلل، وهو ما يعزز عقيدة الخلق الإلهي. وفي استعراضه للنظريات الفلكية الجديدة، يستنتج أن النظام المتناسق والدقيق للطبيعة يحكم باستحالة الخلق من عدم، ويفرض الإيمان بإله مُصوِّر ومدبّر للعالم.
وفي مبحث المعاد والبعث، لا يكرر الأدلة النصية المألوفة في الكتب الكلامية، بل يرجع إلى النظريات الفيزيائية والبيولوجية المعاصرة في تفسير الموت والفناء وتجدد الحياة من خلال إعادة تشكل الخلايا وحفظ الموروث الإنساني، فضلًا عن الحاجة إلى عدل سماوي يضمن حقوق الناس وينصف المظلومين. وبذا تكون الآخرة ممكنة علميًا، كما هي ضرورة أخلاقية.
وفي مبحث النبوة والرسالة، يقدم وحيد الدين خان تفسيرًا علميًا جديدًا لظاهرة الوحي، أي الاتصال بين الله والبشر من خلال النبي المبعوث إلى الخلق.
ويكمن هذا التفسير في التصور العلمي لظاهرة السمع، من حيث تقنيات الاتصال التي تتفاوت بين مخلوقات الله، منتهيًا إلى القول: «إن الله – لحكمة يعلمها – يرسل رسائله بوسائل خافتة خفية إلى الإنسان المختار للرسالة، بعد أن يودع فيه صلاحية التقاطها وفهمها. فليس هناك من تصادم، في الحقيقة، بين مشاهداتنا وتجاربنا العلمية؛ فهو واقع من الوقائع الكثيرة التي نشاهدها ونجربها في أمكنة وطرق مختلفة. فالوحي إمكان وجدناه في شكل الواقع بعد التجربة».
وهكذا يصنف وحيد الدين خان ظاهرة الوحي ضمن تجارب «الإشراق» (أي التواصل عن طريق الانكشاف أو الغيب)، التي لها خلفياتها العلمية وحالاتها التجريبية المعروفة.
وبالإضافة إلى هذا التفسير الطبيعي، يوظف المؤلف المعطيات الأنثروبولوجية والأخلاقية في الدفاع عن عقيدة النبوة من حيث هي ضرورة اجتماعية وإنسانية؛ لكون البشر عاجزين بذاتهم عن إدراك أسرار الكون والحياة، ويحتاجون إلى هداية ربانية وتوجيه أعلى مقدس. إلا أنه لا بد من مقاييس دقيقة لمعرفة صدق النبي وصحة رسالته، من أمانة وسمو في السلوك وعظمة في المواقف، وهي كلها مقاييس تدل، في نظره، على صدق نبي الإسلام وتفرد رسالته.
في هذا السياق، يكتسي الرجوع إلى القرآن الكريم أهمية خاصة، بصفته المعجزة الكبرى لنبي الإسلام. ولئن كان، في مبحث الإعجاز، يستعيد الأدبيات المألوفة حول الإعجاز البياني واللغوي، فإنه يضيف أبعادًا جديدة، مثل الإعجاز التاريخي (الإخبار بالحوادث المستقبلية)، و«الإعجاز العلمي» المتعلق بالاكتشافات والنظريات العلمية الحديثة في الفلك والجيولوجيا وعلم الأغذية.
ولا شك أن هذا الكتاب فسح المجال أمام ما عُرف لاحقًا بالإعجاز العلمي في القرآن، الذي كتب حوله كثيرون، واعترض عليه بعضهم من منظور عقدي وإبستمولوجي مزدوج.
خلاصة هذا التقديم أن مولانا وحيد الدين خان غيّر جذريًا منهج العقيدة والكلام، ناقلًا إياه من منظور الدفاع عن أصول الدين بالأساليب الجدلية إلى نمط من الكتابة العلمية التجريبية، أقرب إلى الفلسفة التحليلية الدينية المعاصرة التي ظهرت في اللاهوت المسيحي.
ويمكن أن نقدم ملاحظتين أساسيتين على نهج الكلام الجديد لدى وحيد الدين خان:
الملاحظة الأولى هي أنه لم يسع إلى تطوير بعض الحدوس والأفكار المحورية التي بلورها المتكلمون في العصور الوسطى. ولعله اعتبر أن المسلم المعاصر لم يعد مقتنعًا بهذه الآراء والمواقف التراثية، ومن ثم برزت الحاجة إلى تعويض علم الكلام التقليدي بنمط من التفكير العلمي الديني يناسب ثقافة العصر. إلا أن هذا المنهج كرّس قطيعة خطيرة مع التراث الكلامي المرتبط أشد الارتباط ببقية علوم الشريعة، بل إنه من أكثر العلوم اتصالًا برؤية العالم الإسلامية، وليس البديل عنه سوى بعض المستنسخات الحداثية المشتتة وغير المتناسقة.
ثانيًا: على عكس ما ذهب إليه المتكلمون الجدد من وضع نظريات بديلة في الصفات والأفعال وفي تفسير الوحي، اكتفى وحيد الدين خان بالاستدلال على صدق الرسالة، ودافع عن جوهر الدين والتوحيد في مواجهة النظريات الفلسفية والعلمية الحديثة. ومن ثم، لم يقدم منظورًا كلاميًا حقيقيًا في صورة فلسفة جديدة للدين أو مقاربة تأويلية راهنة، ومن هنا تأتي صعوبة تصنيف أعماله في خانة علم الكلام الجديد، رغم تأثيرها الواسع.