المدونات والمقالات

أبو القاسم حاج حمد والتأويلية الكلامية الجديدة

السيد ولد أباه

أبو القاسم حاج حمد، مفكر سوداني معروف، توفي سنة 2004، وله أعمال تندرج في إطار فكرته حول «العالمية الإسلامية الثانية»، التي هي عنوان كتابه الأول الذي اشتهر به، وقد نُشر في بداية الثمانينيات وطُبع عدة مرات لاحقًا.

ليس من السهل تقديم أفكار حاج حمد، الذي لم يكن باحثًا أكاديميًا ولا كاتبًا تقليديًا، وقد سلك منهجًا خاصًا به في الدراسات القرآنية، اعتمد فيه على التأمل الحر والذوق الصوفي، فكان أقرب إلى الفلاسفة الأحرار منه إلى الباحثين المحترفين، وإن كان له اطلاع جيد على المباحث والدراسات الفلسفية والإنسانية المعاصرة.

وإذا كان من المستساغ الحديث عن مشروع فكري لدى حاج حمد، فلا شك أنه يتركز حول ما سماه «جدلية الغيب والإنسان والطبيعة»، التي تؤسس لمقاربة جديدة في فهم النص القرآني، في رؤيته للعالم وتجسده في حركية التاريخ والواقع.

وفق هذا التوجه، يُعاد فهم المقولة السائدة حول صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، لا بمعنى تعالي النص المقدس على التاريخ، ولا ضرورة امتثال الثقافات والمجتمعات المختلفة لهديه ورسالته، وإنما بمعنى أن المنهجية القرآنية نفسها لا تقوم على الفهم اللغوي الدلالي السلبي للآيات، وإنما على النظر إليها في إطار آيات الله الكونية وسننه المجتمعية، من حيث هي تعبير عن نداء الوحي للإنسان.

ومن الواضح أن هذا المنهج يختلف عن المسلك السائد في الدراسات الإسلامية، خصوصًا لدى الحركات الدينية المؤدلجة التي تختزل الدين في مدونة قانونية وسياسية عليا، دون إدراك تفاعله الحي مع الواقع الاجتماعي والطبيعي، بما ينم عن قصور أصلي في إدراك معاني الخلق والاصطفاء والاستخلاف، التي تكرس الروابط القوية بين الله والإنسان الذي نفح فيه الخالق من روحه، ومنحه أمانة تدبير الكون وتسييره.

في كتابه «العالمية الإسلامية الثانية»، يدعو حاج حمد إلى تجاوز ما يسميه الرؤيتين اللاهوتية والوضعية، من منظور القراءة المزدوجة للكتاب والطبيعة، ويعني هنا، حسب عباراته:

«أن تستمد هذه الرؤية الكونية من وحي الكتاب القرآني المطلق الذي يعادل موضوعيًا مطلق الكون ومطلق الإنسان، فالقرآن هو المعادل بالوعي للوجود الكوني وحركته، وذلك بما يؤدي لتفعيل جدلية ثلاثية أطرافها الغيب والإنسان والطبيعة، دون أن يستلب طرف طرفًا آخر، ويتم فهم هذه الجدلية الثلاثية بمنطق الجمع بين القراءتين».

وفق هذا المسلك، يُنظر إلى القرآن من حيث هو «وعي كوني مطلق»، لكن دون «القطيعة المعرفية» مع سياق التنزيل الأصلي والمنظور التاريخي للرسالات السابقة التي تختزن «الموروث الروحي البشري»، بما يعني تفاعل الوحي مع مختلف الأنساق الحضارية والمجتمعية، دون أن يفقد سموه المطلق.

ومع أن حاج حمد لا يبدو مطلعًا اطلاعًا رصينًا على المفاهيم الهيغلية، إلا أنه يستخدم جدلية المطلق والتاريخ في استكناه هذه العلاقة الثلاثية بين الغيب والطبيعة والتاريخ، معتبرًا أن الإسلام يتجنب التصورات الوضعية التي تؤدي إلى نوع من الجبرية التي تجرد الإنسان من ذاتيته الواعية الحرة، والتصورات اللاهوتية التي تلغي المقومات الإنسانية والطبيعية، وقد حاربها الأنبياء من قبل، كما في القصص القرآني.

ولا شك أن في هذه الرؤية ردًا قويًا على رأي هيغل في العقيدة الإسلامية، التي اعتبر أنها منغلقة في المطلق غير المتعين في الذات أو التاريخ، على عكس المسيحية التي اعتبرها ديانة الحرية والإرادة الإنسانية.

إلا أن منهج «الجمع بين القراءتين» (الوجود ككون منثور والقرآن ككون مسطور) لا يعني القول بتقابل الكونين أو تناسبهما، ومن ثم تأتي أهمية المنظور الجدلي تأكيدًا على التفاعل الحي بين المطلقات الإنسانية والطبيعية والغيبية، وإن كان الله وحده يتسم بالأزلية، من حيث هي صفة ذاتية يختص بها.

وعبارة «جدلية» هنا يجب أن تُفهم في نطاقها الواسع، أي «التحديدية المركبة التلازمية»، وليس بالمعنى الهيغلي-الماركسي الذي يعبر عن تعايش النقيضين في بنية تجاوزية حية.

في كتابه «منهجية القرآن المعرفية»، يشرح حاج حمد مفهوم «الجمع بين القراءتين» كأساس لرؤية تأويلية جديدة للنص المقدس، في مقابل التراث التفسيري التقليدي. ومع أنه أدرج كتابه في مشروع «أسلمة المعرفة» الذي ثار جدل واسع حوله، إلا أنه تجنب وهم الصياغة الأيديولوجية بحثًا عن بدائل عقدية لمفاهيم واصطلاحات العلوم الإنسانية القائمة. فلئن كان قد تجنب الاختزالات الوضعية في فهم الظاهرة الدينية، فإنه لم ينسق لما يسميه «المركزية اللاهوتية» في بناء علوم إسلامية محضة. فلا معنى لبناء تأويلية إسلامية في المجالات الطبيعية والإنسانية خارج المظلة العالمية الكونية للحضارة البشرية المعاصرة، أو ما يسميه حاج حمد نفسه «الاستحواذ الحضاري العضوي العالمي».

ومن الجلي أن حاج حمد يرجع إلى الدراسات النقدية للحداثة، وبصفة خاصة أعمال فلاسفة مدرسة فرانكفورت، فيما يتعلق بظاهرة «التشيؤ»، أي ما تقوم عليه التقنية المعاصرة من عقلانية أداتية ضيقة تفضي إلى إحكام السيطرة على الإنسان ونفي حريته وكرامته. كما أنه يقترب من فلاسفة الاغتراب المعاصرين (فيورباخ وماركس وسارتر…) في النظر إلى الاستلاب الروحي في المطلق الذي يؤدي إلى طمس ذاتية الإنسان.

إلا أن ما يضيفه فعلًا هو القراءة الجديدة للقصص القرآني، من الاصطفاء الآدمي إلى النزعة الإنسانية في التجربتين الإبراهيمية والموسوية، وهو في هذه الجوانب يوظف التراث الصوفي الغني الذي كان واسع الاطلاع عليه.

ماذا تضيف منهجية حاج حمد إلى المباحث الكلامية؟ وهل تؤسس لعلم كلام جديد؟

لا شك أن أبا القاسم حاج حمد دشن أفقًا جديدًا للمباحث الكلامية في إطار جدليته حول الغيب والطبيعة والإنسان، في مقابل المباحث الكلامية الكلاسيكية التي كانت تعالج الموضوعات الطبيعية والأخلاقية في إطار مسألة الصفات والأفعال. ومع أنه يؤكد إطلاقية الوحي الإلهي وكونيته، إلا أنه أدرك طبيعة التفاعل الجدلي الحي بين النص والواقع والتاريخ، لا من منطلق الاختلاف والتعارض، وإنما من زاوية القراءة المزدوجة التي تكرس منهجية معرفية جديدة في استيعاب التراث ودراسته.