بقلم جوليا زورزو، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي
يُنظر إلى الأردن على نطاق واسع باعتباره نموذجاً للاستقرار والضيافة والتنمية التقدمية في منطقة شهدت تقلبات مستمرة، حيث أظهر التزاماً استثنائياً بالاستجابة الإنسانية وتعزيز التقدم الاجتماعي. إلا أن عقوداً من الصدمات الجيوسياسية وأزمات اللجوء الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية فرضت أعباءً كبيرة على موارد البلاد وبنيتها التحتية. وفي ظل هذه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، لا تزال عمالة الأطفال حاضرة في القطاعات غير الرسمية داخل المدن والمناطق الزراعية النائية، سواء في وسط عمّان أو المناطق الصناعية في الزرقاء أو حقول وادي الأردن. ويمكن مشاهدة أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم العاشرة وهم ينظفون زجاج السيارات أو يحملون الصناديق الثقيلة في الأسواق المحلية.
ولا تُعد عمالة الأطفال في الأردن قضية معزولة، بل تعكس أزمة أوسع تتمثل في لجوء العديد من الأسر إلى تشغيل أطفالها كآلية للتكيف مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وتشير التقديرات الوطنية إلى أن أكثر من 70 ألف طفل في الأردن منخرطون في سوق العمل، يعمل أكثر من نصفهم في ظروف خطرة، لا سيما في قطاعي المهن الميكانيكية (29%) والزراعة (28%). ويتعرض هؤلاء الأطفال لأشكال من الاستغلال تحرمهم من حقوقهم الأساسية وتُكرّس دوائر الفقر عبر الأجيال. وعلى الرغم من وجود سياسات وطنية تحدد الحد الأدنى لسن العمل بـ16 عاماً، وترفعه إلى 18 عاماً للأعمال الخطرة، فإن الفجوة بين النصوص القانونية ومتطلبات البقاء الاقتصادي ما تزال آخذة في الاتساع.
نظرة إلى البيانات
سعت الجهود العالمية إلى القضاء على عمالة الأطفال، لا سيما في إطار أهداف التنمية المستدامة التي استهدفت إنهاء جميع أشكالها بحلول عام 2025. إلا أن هذا الموعد قد انقضى دون تحقيق الهدف المنشود. ووفقاً لأحدث البيانات الوطنية المتاحة من المسح الوطني لعمالة الأطفال لعام 2016، الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الأردن، بلغ عدد الأطفال العاملين من الفئة العمرية (5–17 عاماً) نحو 75,982 طفلاً من أصل 4,030,384 طفلاً، من بينهم 44,917 طفلاً يعملون في أعمال خطرة.
وتشير تقارير مرصد العمل الأردني الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إلى أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع، وهو ما يتناقض مع السياسات الوطنية الرامية إلى الحد من الظاهرة ويثير تساؤلات حول فعالية التدخلات القائمة ومدى معالجتها للأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى العمل. كما أن غياب البيانات المحدثة يشكل تحدياً إضافياً، إذ إن الاعتماد على بيانات تعود إلى عام 2016 يكشف عن قصور في رصد الظاهرة، ويعني أن عمالة الأطفال باتت تتسلل بشكل متزايد إلى أركان الاقتصاد غير الرسمي غير الخاضعة للرقابة، مما يجعل آلاف الأطفال خارج نطاق الإحصاءات الرسمية. وتدفع الأزمات الاقتصادية المستمرة وتراجع مستويات المعيشة مزيداً من الأطفال إلى العمل، غالباً في بيئات غير آمنة وغير منظمة.
المفارقة التشريعية: حماية قانونية متقدمة وإنفاذ محدود
يدرك الأردن خطورة عمالة الأطفال، وقد طور إطاراً قانونياً ومؤسسياً متقدماً لمكافحتها. ويُعد من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها، واتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 الخاصة بالحد الأدنى لسن العمل ورقم 182 الخاصة بأسوأ أشكال عمل الأطفال.
ومن أبرز التشريعات الوطنية ذات الصلة:
- الدستور الأردني لعام 1952 الذي يكفل حماية الطفولة من الاستغلال والإساءة.
- قانون العمل رقم 8 لسنة 1996 الذي يحظر تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة، ويقيد عمل الأحداث بين 16 و18 عاماً بضوابط صحية ومهنية محددة.
- قانون حقوق الطفل رقم 17 لسنة 2022 الذي يوفر إطاراً عاماً لحماية حقوق الطفل.
- قانون الأحداث رقم 32 لسنة 2014 وما يرتبط به من أنظمة وتعليمات.
كما تم إنشاء وحدات متخصصة لمكافحة عمالة الأطفال في وزارة العمل ووزارة التنمية الاجتماعية، إلى جانب الإطار الوطني لمكافحة عمل الأطفال ونظام الرصد الإلكتروني لعمالة الأطفال.
وعلى المستوى الاستراتيجي، اعتمد الأردن:
- الاستراتيجية الوطنية للحد من عمل الأطفال (2022–2030).
- الاستراتيجية الوطنية لمنع الاتجار بالبشر (2024–2027).
ورغم هذا الإطار المتكامل، لا تزال عمالة الأطفال تمثل تحدياً كبيراً. فالمشكلة لا تقتصر على تطبيق القوانين، بل ترتبط أيضاً بعدم معالجة الأسباب الجذرية الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل، إضافة إلى وجود فجوات في الحماية الاجتماعية ومحدودية قدرات التفتيش العمالي على الرصد والتدخل الفعال.
الأسباب الجذرية لعمالة الأطفال
بحسب مرصد العمل الأردني، تُعد الهشاشة الاقتصادية العامل الرئيسي وراء انتشار عمالة الأطفال. فالكثير من الأسر تعاني أوضاعاً معيشية صعبة وتعتمد على دخل الأطفال لتأمين احتياجاتها الأساسية. وقد أدى اتساع معدلات الفقر وتراجع الدخل الحقيقي للأسر إلى دفع مزيد من الأطفال إلى سوق العمل، في ظل سياسات اقتصادية تقشفية، وانخفاض القدرة الشرائية، وثبات الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.
وتشير منظمات المجتمع المدني، بما فيها النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) وتمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، إلى أن غالبية الأطفال العاملين ينحدرون من فئات مهمشة تضطرهم ظروف الفقر إلى المساهمة في إعالة أسرهم. وتنتشر عمالة الأطفال بشكل خاص في المطاعم والمقاهي، وورش الميكانيك والصيانة، ومواقع البناء، والبيع المتجول، والأنشطة المرتبطة بالسياحة.
وغالباً ما يتقاضى هؤلاء الأطفال أجوراً أقل من الحد الأدنى للأجور، ويُجبرون على العمل لساعات طويلة دون مقابل إضافي.
ومن أبرز العوامل المساهمة في تفاقم الظاهرة:
- ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 21%.
- ارتفاع معدلات الفقر إلى ما يقارب 24%.
- تراجع القدرة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات الأجور.
كما تسهم عوامل بنيوية أخرى في تفاقم الأزمة، من بينها تطبيع عمل الأطفال في بعض البيئات الاجتماعية، وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، والعوائق التي تحول دون استكمال التعليم، مما يدفع الأطفال إلى ترك المدارس والانخراط في العمل غير الرسمي كوسيلة للتكيف مع الضغوط الاقتصادية.
ولا تقتصر آثار عمالة الأطفال على حرمانهم من التعليم واللعب والنمو السليم، بل تؤدي أيضاً إلى إنتاج أجيال جديدة من العمالة الفقيرة وغير الماهرة، بما يضعف فرص التنمية الاقتصادية المستدامة ويعمّق دوائر الفقر المتوارثة.
عمالة الأطفال والنزوح
فاقمت الأزمة السورية من تحديات عمالة الأطفال في الأردن. فمنذ عام 2011، ومع تدفق ملايين اللاجئين السوريين إلى دول الجوار، واجه اللاجئون والمجتمعات المستضيفة أوضاعاً اقتصادية ومعيشية متزايدة الصعوبة. وأدى الضغط الاقتصادي على الأسر اللاجئة إلى دفع العديد من الأطفال إلى سوق العمل باعتبارهم مصدراً أساسياً للدخل.
وتشير بيانات المسح الوطني لعمالة الأطفال إلى أن الأطفال السوريين شكّلوا ما بين 14.6% و15% من إجمالي الأطفال العاملين في الأردن، أي ما يقارب 11 ألف طفل. ويواجه هؤلاء الأطفال ظروفاً استغلالية قاسية تشمل العمل لساعات طويلة، والتعرض للمواد الخطرة، وسوء المعاملة الجسدية والنفسية، فضلاً عن محدودية فرص الوصول إلى التعليم.
وتُظهر الدراسات أن لجوء الأسر إلى تشغيل أطفالها يُستخدم كآلية للتكيف مع القيود الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى فرص العمل الكافية للبالغين. ويعمل كثير من الأطفال في الزراعة والقطاعات غير الرسمية، حيث يتعرضون لمخاطر متعددة، تشمل المبيدات الحشرية، ووسائل النقل غير الآمنة، والحوادث المهنية، إضافة إلى أشكال مختلفة من العنف والاستغلال. كما تواجه الفتيات العاملات في بعض المناطق الزراعية النائية مخاطر إضافية مرتبطة بالعنف الموجه ضد المرأة والفتيات. وفي المحصلة، يحرم العمل المبكر هؤلاء الأطفال من فرص التعليم واكتساب المهارات، ويجعلهم أكثر عرضة للبقاء في دائرة الفقر والتهميش على المدى الطويل.
منظمات المجتمع المدني في الخطوط الأمامية
على الرغم من المبادرات الحكومية وغير الحكومية المتعددة، ما تزال الأسباب الجذرية للظاهرة دون معالجة كافية. ويتطلب التصدي لعمل الأطفال مقاربة شاملة تركز على التعليم والحماية الاجتماعية والحد من الفقر.
وتعمل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بالشراكة مع أطر وطنية ودولية لمكافحة عمل الأطفال، بما في ذلك عضويتها في اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال وتعاونها مع International Labour Organization. كما يقدم قسم المساعدة القانونية في النهضة (أرض) تمثيلًا قانونيًا مجانيًا للأطفال والأسر المستضعفة المتضررة من الاستغلال والانتهاكات في أماكن العمل، ويسهم في رفع الوعي القانوني حول حقوق الأطفال والحماية المتاحة لهم.
كما نفذت النهضة (أرض) مبادرات تعليمية مثل مشروع الاستثمار في المستقبل والتحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن(نافع)، بهدف الحد من التسرب المدرسي وتلبية الاحتياجات التعليمية للفئات الأكثر عرضة للمخاطر من اللاجئين والمجتمعات المستضيفة.
الحاجة إلى تغيير منهجي
إن عمالة الأطفال في الأردن ليست مشكلة ناجمة عن نقص في التشريعات، بل هي قضية مترابطة ترتبط بالضغوط الاقتصادية والهشاشة الاجتماعية. وتُعد أنظمة الرصد والإبلاغ أدوات مهمة لتوثيق الحالات، إلا أن مكافحة عمالة الأطفال تتطلب سياسات شاملة تستند إلى تعزيز الحماية الاقتصادية، وتحسين جودة التعليم، وضمان توفير خدمات اجتماعية عادلة تحول دون انزلاق الأسر إلى الفقر.
ويتطلب حماية حقوق الأطفال ومستقبلهم في مختلف أنحاء الأردن تضافر جهود الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليين. وما لم تُعالج الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء هذه الظاهرة بشكل مباشر، فستظل أهداف التنمية المستدامة طموحاً لم يتحقق بعد، وسيواصل آلاف الأطفال التضحية بمستقبلهم في سبيل البقاء.









